وكذلك صفة الخوف، إذ التوغل فيه دون رفق غير محمود الحملة؛ إذ مطالبته
أقصاه إضرار بصفة الحب، فإنه وإن كان من سنة الله في عباده المؤمنين من جعله
إياهم بين الخوف والرجاء، فإن زيادة الخوف تكسب النفس نفورًا في الأغلب
عمن كان الخوف من أجله، فمن الأدب في تناول هذه الدرجة الرفق، وحسب
العبد من الخوف ما يكسبه الخشية في المواطن وما فرق بينه وبين شهواته وأضر
بهواه.
وليحب الله - جلَّ جلالُه - الحب كله، وليفرح بفضل ربه، وما أظهر وأبطن من رحمته،
وليتذكر نعمه وأياديه وعظيم إحسانه وقديم امتنانه، وليغيظ نفسه جدَّا، لأنه عبد لمن
لا إله إلا هو (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) واحد أحد صمد، له المجد كله
والثناء الحسن أجمع، وليصعد في حبه إلى الله، لأنه الله لا إله إلا هو العلي
الكبير، لا كفؤ له ولا شبه في وجه من الوجوه ولا بمعنى من المعاني، له المثل
الأعلى في السماوات والأرض، وله الخلق وله الأمر، وليستعن على الوصول
إلى هذه المنزلة بكل سبيل أمكنه سلوكها وكل عمل ييسر له.
قوله - جلَّ جلالُه -: (تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى(4) . تعظيم لقدر
القرآن، وقدر من أنزله، ومن نزل عليه، وقدر من أنزل إليه.
(الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى(5) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا
وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (6) . ذكر السماوات العلا، وفي ذلك دليل خطاب أن في
الوجود سماوات دنى وهي التي بين السماء الدنيا والأرض أعلم باستوائه على
العرش، وهو الحي القيوم أن قد حييب به الجملة، أنه في كل مكان منها لا في
مكان، ومع كل أحد بما هو وأينما كان، فهو مستوي على العرش؛ لشمول معنى
العرش جميع كل مذكور من المحدثات، وأعلم بذلك أنه لا يعزب عنه من الجملة
مثقال ذرة في العلو ولا فيما تحت الثرى إلى حيث المنتهى.
و (يَعْلَمُ السِّرَّ ...(7) أي: ما لم يجهر به (وَأَخْفَى) من السر؛
أي: ما لم يبدُ بعد في خزانة القلب من غيابات الغيب.
(اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى(8) . هذا - والله أعلم بما ينزل -