وقد روي عنه عليه السلام أنه قال لرجل أوصاه:"لا ترفع عصاك عن أهلك أخفهم في الله"رواه عبادة بن الصامت ؛ خرجه النسائي.
ومن هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم:"علِّق سوطك حيث يراه أهلك"وقد تقدم هذا في"النساء".
ومن فوائدها التنبيه على الانتقال من هذه الدار ؛ كما قيل لبعض الزهاد: ما لك تمشي على عصا ولست بكبير ولا مريض؟ قال: إني أعلم أني مسافر ، وأنها دار قُلعة ، وأن العصا من آلة السفر ؛ فأخذه بعض الشعراء فقال:
حملتُ العصا لا الضَّعف أوجبَ حملَها ...
عليّ ولا أني تَحنَّيتُ من كِبَرْ
ولكنّني ألزمتُ نفسيَ حَملَها ...
لأُعلمها أنَّ المقيمَ على سَفَر
قوله تعالى: {قَالَ أَلْقِهَا يا موسى} : لما أراد الله تعالى أن يُدرِّبه في تلقي النبوّة وتكاليفها أمره بإلقاء العصا {فَأَلْقَاهَا} موسى فقلب الله أوصافها وأعراضها.
وكانت عصا ذات شُعبتين فصارت الشُّعبتان لها فماً ، وصارت حية تسعى أي تنتقل ، وتمشي وتلتقم الحجارة ؛ فلما رآها موسى عليه السلام رأى عبرة ف {ولى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ} [النمل: 10] فقال الله له: {خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ} وذلك أنه {فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً} [طه: 67] أي لحقه ما يلحق البشر.
وروي أن موسى تناولها بكمي جُبَّته فنُهي عن ذلك ، فأخذها بيده فصارت عصاً كما كانت أول مرة وهي سيرتها الأولى ، وإنما أظهر له هذه الآية لئلا يفزع منها إذا ألقاها عند فرعون.
ويقال: إن العصا بعد ذلك كانت تماشيه وتحادثه ويعلق عليها أحماله ، وتضيء له الشُّعبتان بالليل كالشّمع ؛ وإذا أراد الاستقاء انقلبت الشّعبتان كالدلو ، وإذا اشتهى ثمرة ركزها في الأرض فأثمرت تلك الثمرة.
وقيل: إنها كانت من آس الجنة.
وقيل: أتاه جبريل بها.
وقيل: مَلَك.
وقيل قال له شعيب: خذ عصا من ذلك البيت فوقعت بيده تلك العصا ، وكانت عصا آدم عليه السلام هبط بها من الجنة.
والله أعلم.