ونقف هنا أمام ملحظ دقيق في سورة (الرحمن) حيث يقول الحق تبارك وتعالى: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} [الرحمن: 46] ثم يأتي الحديث عنهما: فيهما كذا ، فيهما كذا إلى أنْ يصلَ إلى قاصرات الطرف فيقول: {فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطرف} [الرحمن: 56] .
وكذلك في: {وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ} [الرحمن: 62] فيهما كذا وفيهما كذا إلى أنْ يصلَ إلى الحور العين فيقول: {فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ} [الرحمن: 70] .
ولك أنْ تتساءل: الحديث هنا عن الجنتين ، فلماذا عدل السياق عن (فيهما) إلى (فيهن) في هذه النعمة بالذات؟
قالوا: لأن نعيم الجنة مشترك ، يصح أنْ يشترك فيه الجميع إلا في نعمة الحور العين ، فلها خصوصيتها ، فكأن الحق تبارك وتعالى يحترم مشاعر الغَيْرة عند الرجال ، ففي هذه المسألة يكون لكل منها جنته الخاصة التي لا يشاركه فيها أحد .
لذلك"لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجنة رأى فيها قصراً فابتعد عنه ، فلما سُئِل عن ذلك صلى الله عليه وسلم قال:"إنه لعمر ، وأنا أعرف غَيْرة عمر"."
فإلى هذه الدرجة تكون غيرة المؤمن ، وإلى هذه الدرجة تكون دِقَّة التعبير في القرآن الكريم .
ولولا أن الله تعالى أنزل القرآن ويسَّره لَمَا حفظه أحد فالنبي صلى الله عليه وسلم كان ينزل عليه الآيات ، وحِين يسري عنه يمليها على الصحابة ، ويظل يقرؤها كما هي ، ولولا أن الله قال له: {سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تنسى} [الأعلى: 6] ما تيسّر له ذلك .
ونحن في حفْظنا لكتاب الله تعالى نجد العجائب أيضاً ، فالصبي في سنِّ السابعة يستطيع حفْظ القرآن وتجويده ، فإنْ غفل عنه بعد ذلك تَفلَّتَ منه ، على خلاف ما لو حفظ نصاً من النصوص في هذه السن يظل عالقاً بذهنه .