إذن: مسألة حفظ القرآن ليست مجرد استذكار حافظة ، بل معونة حافظ ، فإن كنت على وُدًّ وأُلْفة بكتاب الله ظلَّ معك ، وإنْ تركته وجفوْته تفلَّتَ منك ، كما جاء في الحديث الشريف:
"تعاهدوا القرآن ، فو الذي نفسي بيده لَهُو أشدُّ تفصّياً من الإبل في عُقَلها".
ذلك ؛ لأن حروف القرآن ليست مجرد حرف له رسم ومنطوق ، إنما حروف القرآن ملائكة تُصفّ ، فتكون كلمة ، وتكون آية ، فإنْ وددتَ الحرف ، وودتَ الكلمة والآية ، ودَّتْك الملائكة ، وتراصتْ عند قراءتك .
ومن العجائب في تيسير حفظ القرآن أنك إنْ أعلمتَ عقلك في القراءة تتخبّط فيها وتخطئ ، فإنْ أعدتَ القراءة هكذا على السليقة كما حفظت تتابعت معك الآيات وطاوعتك .
وتلحظ هنا أن القرآن لم يأْتِ باللفظ الصريح ، إنما جاء بضمير الغيبة في {يَسَّرْنَاهُ} [مريم: 97] لأن الهاء هنا لا يمكن أن تعود إلا على القرآن ، كما في قوله تعالى: {قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] فضمير الغيبة هنا لا يعود إلا على الله تعالى .
وقوله: {بِلِسَانِكَ} [مريم: 97] أي: بلغتك ، فجعلناه قرآنا عربياً في أمة عربية ؛ ليفهموا عنك البلاغ عن الله في البشارة والنذارة ، ولو جاءهم بلغة أخرى لقالوا كما حكى القرآن عنهم .
{وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أعْجَمِيّاً لَّقَالُواْ لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ءَاعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ} [فصلت: 44] .
وقول الحق سبحانه وتعالى: {وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً} [مريم: 97] .
والإنذار: التحذير من شَرِّ سيقع في المستقبل ، واللَّدَد: عُنْف الخصومة ، وشراسة العداوة ، نقول: فلان عنده لَدَد أي: يبالغ في الخصومة ، ولا يخضع للحجة والإقناع ، ومهما حاولتَ معه يُصِرُّ على خصومته .
ويُنهي الحق سبحانه سورة مريم بقوله تعالى: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ}