وحاصل هذه القصة التي ألقمَ بها الشيخ الذي كان مكبلاً بالقيود يراد قتله أحمد بن أبي دؤاد حجراً ، هو هذا الدليل العظيم الذي هو السبر والتقسيم: فكان الشيخ المذكور يقول لابن أبي دؤاد: مقالتك هذه التي تدعو الناس إليها لا تخلوا بالتقسيم الصحيح من أحد الأمرين: إما أن يكون النَّبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون عالمين بها أو غير عالمين بها ولا واسطة بين العلم وغيره. فلا قسم ثالث البتة. ثم إنه رجع بالسبر الصحيح إلى القسمين المذكورين فبين أن السبر الصحيح يظهر أن أحمد بن أبي دؤاد ليس كل تقدير من التقديرين.
أما على كون النَّبي صلى الله عليه وسلم كان عالماً بها هو وأصحابه ، وتركوا الناس ولم يدعوهم إليها - فدعوة ابن أبي دؤاد إليها مخالفة لما كان عليه النَّبي وأصحابه من عدم الدعوة لها ، وكان يسعه ما وسعهم.
وأما على كون النَّبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه غير عالمين بها فلا يمكن لابن أبي دؤاد أن يدعي أنه عالم بها مع عدم علمهم بها. فظهر ضلاله على كل تقدير ، ولذلك سقط من عين الواثق ، وترك الواثق لذلك امتحان أهل العلم. فكان هذا الدليل العظيك أول مصدر تاريخي لضعف هذه المحنة الكبرى. حتى أزالها الله بالكلية على يد المتوكل رحمه الله ، وفي هذا منقبة تاريخية عظيمة لهذا الدليل المذكور.
ومن آثار هذا الدليل التاريخي - ما ذكره بعض المؤرخين: من أن عبد الله بن همام السلولي وشي به واشٍ إلى عبيد الله بن زياد. فأدخل ابن زياد الواشي في محل قريب من مجلسه ، ثم نادى ابن همام السلولي وقال له: ما حملك على أن تقول في كذا وكذا.. ؟! فقال السلولي: اصلح الله الأمير! والله ما قلت شيئاً من ذلك!! فأخرج ابن زياد الواشي ، وقال: هذا أخبرني أنك قلت ذلك. فسكت ابن همام هنية ثم قال مخاطباً للواشي:
وأنت أمرؤ ائتمنتك خالياً... فخنت وإما قلت قولان بلا علم
فأنت من الأمر الذي بيننا... بمنزلة بين الخيانة والإثمِ