يعني قول الله عز وجل: {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} وهذا يدل على أن الورود ليس هو التطرف، فيكون الجواز على الصراط، وحضور شفير جهنم عند المحاسبة جازياً عنه قبل.
قيل: أسمى مس النار كما قال أيوب - صلى الله عليه وسلّم -: {أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} أي عوضني.
كذلك لأن مسه بالحقيقة وكما قال عز وجل: {وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْاْ بِمَفَازَتِهِمْ لاَ يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} .
أي لا ينادون بسوء ولا يسوءهم شيء.
فيكون معنى تمسه النار، أي ينادى بها.
وإذا كان هذا هكذا، وقد أخبر الله - عز وجل - أن جهنم {تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ * كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ} ، وجاء الحديث أنها ترمي زفرة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا تهمه نفسه وأنها إذا برزت غشيت أهل المجمع منها ظلم شديدة، وإن شررها يقع على رؤوس الخلائق، فتكاد أفئدتهم تنخلع من الخوف إلى غير ذلك.
فليس يبعد أن يكون ورود المؤمنين جهنم أن يحضروا شفير جهنم للمحاسبة فيروها عين اليقين، وإذا أخذت تموج وتتأجح وترمي بشررها أشفقوا منها وإذا زفرت فرقوا من زفيرها، وتغشاهم من ظلمتها ماء يغشي غيرهم.
فيكون هذا مس النار إياهم دون اللذع والإحراق والله أعلم.
فإن سأل سائل: عن معنى إيراد الله - تعالى جده - المؤمنين جهنم.
قيل له: قد قال الناس في ذلك وجهين: أحدهما أن يعلم المؤمنون بالعيان ما كانوا يخبرون عنه من شدائد بدار أعد الله - تعالى جده - الكفار من العذاب، فإذا صاروا منها إلى الجنة كانوا أشهر بها وأوقر عيناً، وكانت في نفوسهم أعظم قدراً وموقعاً.
والآخر: أن الفريقين إذا جمعهما مجمع واحد وهو شفير جهنم أو الصراط، ثم ميز أحدهما عن الآخر، وصير به إلى الجنان، والآخر إلى النيران إن كانت الحشرة على الذين يصار بهم إلى النار أشد، ومصيبته أقطع وأوجع.
وقد يجوز أن يكونا معاً هما المراد.
فإن قيل: فلم لا يرى أهل النار أهل الجنة، كما يرى أهل النار ليعلموا ما الذي فاتهم وحرموه بالمعاصي أنفسهم، فيكون ذلك أعم وأوجع لهم؟
قيل: لأن حريم الجنة وحريم النار كالنار، فلما كانت النار يخرج منها عصاة المؤمنين، ولا يخلدون فيها، صلح إيراد المؤمنين شفيرها ليروها، ويعاينوا أحوالها، ثم ينقلوا عنها.