و {ثمّ} للترتيب الرتبي تنويهاً بإنجاء الذين اتّقوا وتشويهاً بحال الذين يبقون في جهنم جُثيّاً.
فالمعنى: وعلاوة على ذلك ننجي الذين اتّقوا من ورود جهنم.
وليس المعنى: ثمّ ينجي المتقين من بينهم بل المعنى أنهم نَجَوْا من الورود إلى النّار.
وذكر إنجاء المتقين: أي المؤمنين ، إدماج ببشارة المؤمنين في أثناء وعيد المشركين.
وجملة {ونذر الظالمين فيها جثياً} عطف على جملة {وإن منكم إلاّ واردها} .
والظالمون: المشركون.
والتعبير بالّذين ظلموا إظهار في مقام الإضمار.
والأصل: ونذركم أيها الظالمون.
ونذر: نترك ، وهو مضارع ليس له ماض من لفظه ، أمات العرب ماضي (نذر) استغناء عنه بماضي (ترك) ، كما تقدّم عند قوله تعالى: {ثم ذرهم في خوضهم يلعبون} في سورة الأنعام (91) .
فليس الخطاب في قوله وإن منكم إلاّ واردها لجميع النّاس مؤمنهم وكافِرِهم على معنى ابتداء كلام ؛ بحيث يقتضي أن المؤمنين يردون النّار مع الكافرين ثم يُنْجوَن من عذابها ، لأنّ هذا معنى ثقيل ينبو عنه السياق ، إذ لا مناسبة بينه وبين سياق الآيات السابقة ، ولأنّ فضل الله على المؤمنين بالجنّة وتشريفهم بالمنازل الرفيعة ينافي أن يسوقهم مع المشركين مَساقاً واحداً ، كيف وقد صُدّر الكلام بقوله
{فوربك لنحشرنهم والشياطين} [مريم: 68] وقال تعالى: {يوم نحشر المتقين إلى الرحمان وفداً ونسوق المجرمين إلى جهنم ورداً} [مريم: 85 ، 86] ، وهو صريح في اختلاف حشر الفريقين.
فموقع هذه الآية هنا كموقع قوله تعالى: {وإن جهنم لموعدهم أجمعين} [الحجر: 43] عقب قوله {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين} [الحجر: 42] .
فلا يتوهم أن جهنّم موعد عباد الله المخلصين مع تقدّم ذكره لأنّه ينبو عنه مقام الثناء.