وحكى الحسن البصري: أن رجلاً قال لأخيه: يا أخي هل أتاك أنك واردٌ النار؟ قال: نعم ؛ قال: فهل أتاك أنك خارجٌ منها؟ قال: لا ؛ قال: ففيم الضحك؟! وقال خالد بن معدان: إِذا دخل أهل الجنة الجنة ، قالوا: ألم يَعِدْنا رَبُّنا أن نرد النار؟ فيقال لهم: بلى ، ولكن مررتم بها وهي خامدة.
وممن ذهب إِلى أنه الدخول: الحسن في رواية ، وأبو مالك.
وقد اعتُرِض على أرباب هذا القول بأشياء.
فقال الزجاج: العرب تقول: وردت بلد كذا ، ووردت ماء كذا: إِذا أشرفوا عليه وإِن لم يدخلوا ، ومنه قوله تعالى: {ولما ورد ماءَ مدين} [القصص: 33] ، والحجة القاطعة في هذا القول قوله تعالى: أولئك عنها مبعَدون.
لا يسمعون حسيسها [الأنبياء: 101 ، 102] ، وقال زهير:
فَلَمَّا وَرَدْنَ الماءَ زُرْقاً جِمَامُهُ ...
وَضَعْنَ عِصيَّ الحاضِرِ المُتَخيِّم
أي: لما بلغن الماء قمن عليه.
قلت: وقد أجاب بعضهم عن هذه الحجج ، فقال: أما الآية الأولى ، فإن موسى لما أقام حتى استقى الماء وسقى الغنم ، كان بلبثه ومباشرته كأنه دخل ؛ وأما الآية الأخرى: فإنها تضمنت الإِخبار عن أهل الجنة حين كونهم فيها ، وحينئذ لا يسمعون حسيسها.
وقد روينا آنفاً عن خالد بن معدان أنهم يمرُّون بها ، ولا يعلمون.
والثاني: أن الورود: الممرُّ عليها ، قاله عبد الله بن مسعود ، وقتادة.
وقال ابن مسعود: يَرِد الناس النار ، ثم يصدرون عنها بأعمالهم ، فأولُهم كلمح البرق ، ثم كالريح ، ثم كحُضْر الفرس [ثم كالراكب في رحله] ، ثم كشدِّ الرحل ، ثم كمشيه.
والثالث: أن ورودها: حضورها ، قاله عبيد بن عمير.
والرابع: أن ورود المسلمين: المرور على الجسر ، وورود المشركين: دخولها.
قاله ابن زيد.