ومن أدب الدعاء أنْ ندعوَه سبحانه كما أمرنا: {ادعوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً} [الأعراف: 55] .
وهو سبحانه {يَعْلَمُ السر وَأَخْفَى} [طه: 7] أي: وما هو أَخْفى من السر ؛ لأنه سبحانه قبل أن يكون سِرّاً ، علم أنه سيكون سراً .
لذلك ، جعل الحق سبحانه أحسن الدعاء الدعاء الخفي ؛ لأن الإنسان قد يدعو ربه بشيء ، إنْ سمعه غيره ربما استنقصه ، فجعل الدعاء خَفياً بين العبد وربه حتى لا يُفتضحَ أمره عند الناس .
أما الحق سبحانه فهو ستَّار يحب الستر حتى على العاصين ، وكذلك ليدعو العبد رَبَّه بما يستحي أنْ يذكره أمام الناس ، وليكون طليقاً في الدعاء فيدعو ربه بما يشاء ؛ لأنه ربُّه ووليه الذي يفزع إليه . وإنْ كان الناس سيحزنون ويتضجرون إن سألتهم أدنى شيء ، فإن الله تعالى يفرح بك أن سألته .
لكن لماذا أخفي زكريا دعاءه؟
دعا زكريا ربه أنْ يرزقه الولد ، ولكن كيف يتحقق هذا المطلب وقد بلغ من الكبر عتياً وامرأته عاقر؟ فكأن الأسباب الموجودة جميعها مُعطَّلة عنده ؛ لذلك توجه إلى الله بالدعاء: يا رب لا ملجأ لي إلا أنت فأنت وحدك القادر على خَرْق الناموس والقانون ، وهذا مطلب من زكريا جاء في غير وقته .
أخفاه أيضا ؛ لأنه طلب الولد في وجود أبناء عمومته الذين سيحملون منهجه من بعده ، إلاّ أنه لم يأتمنهم على منهج الله ؛ لأن ظاهر حركتهم في الحياة غير متسقة مع المنهج ، فكيف يأمنهم على منهج الله وهم غير مؤتمنين على أنفسهم؟ فإذا دعا زكريا ربه أنْ يرزقه الولد ليرث النبوة من بعده ، فسوف يغضب هؤلاء من دعاء زكريا ويعادونه ؛ لذلك جاء دعاؤه خفياً يُسِرُّه بينه وبين ربه تعالى .
سؤال آخر تنبغي الإجابة عليه هنا: لماذا يطلب زكريا الولد في هذه السن المتأخرة ، وبعد أن بلغ من الكبر عتياً ، وأصبحت امرأته عاقراً؟