{لِلَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ الذكور * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ} [الشورى: 4950] .
وطلاقة القدرة في قصة زكريا عليه السلام تتجلى في أن الله تعالى استجاب لدعاء زكريا في أنْ يرزقَه الولد . قال تعالى: {ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ} [مريم: 2] .
أي: رحمه الله ، لكن متى كانت هذه الرحمة؟
يقول الحق تبارك وتعالى: {إِذْ نادى رَبَّهُ}
إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (3)
أي: في الوقت الذي نادى فيه ربه نداءً خفياً .
والنداء لَوْن من ألوان الأساليب الكلامية ، والبلاغيون يقسمون الكلام إلى خبر ، وهو أن تخبر عن شيء بكلام يحتمل الصدق أو الكذب . وإنشاء ، وهو أنْ تطلب بكلامك شيئاً ، والإنشاء قَوْلٌ لا يحتمل الصدق أو الكذب .
والنداء من الإنشاء ؛ لأنك تريد أن تنشئ شيئاً من عندك ، فلو قُلْت: يا محمد فأنت تريد أن تنشئ إقبالاً عليك ، فالنداء إذن طلبُ الإقبال عليك ، لكن هل يصح أن يكون النداء من الله تعالى بهذا المعنى؟ إنك لا تنادى إلا البعيد عنك الذي تريد أن تستدنية منك .
فكيف تنادى ربك تبارك وتعالى وهو أقرب إليك من حبل الوريد؟ وكيف تناديه سبحانه وهو يسمعك حتى قبل أن تتكلم؟ فإذا كان إقباله عليك موجوداً في كل وقت ، فما الغرض من النداء هنا؟ نقول: الغرض من النداء: الدعاء .
ووَصْف النداء هنا بأنه: {نِدَآءً خَفِيّاً} [مريم: 3] لأنه ليس كنداء الخَلْق للخَلْق ، يحتاج إلى رَفْع الصوت حتى يسمع ، إنه نداء لله تبارك وتعالى الذي يستوي عنده السر والجهر ، وهو القائل: {وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ اجهروا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور} [الملك: 13] .