ومن ذلك ما حدث في قصة خليل الله إبراهيم حين ألقاه الكفار في النار ، ولم يكن حظ الله بإطفاء النار عن إبراهيم ، أو بجَعْل النار بَرْداً وسلاماً على إبراهيم أن يُنجي إبراهيم ؛ لأنه كان من الممكن ألاَّ يُمكّنَ خصوم إبراهيم عليه السلام من القبض عليه ، أو يُنزِل مطراً يُطفئ ما أوقدوه من نار ، لكن ليست نكاية القوم في هذا ، فلو أفلتَ إبراهيم من قبضتهم ، أو نزل المطر فأطفأ النار لقالوا: لو كُنَّا تمكنّا منه لفعلنا كذا وكذا ، ولو لم ينزل المطر لفعلنا به كذا وكذا .
إذن: شاءت إرادة الله أنْ تكيد هؤلاء ، وأن تُظهِر لهم طلاقة القدرة الإلهية فتُمكّنهم من إبراهيم حتى يلقوه في النار فعلاً ، ثم يأتي الأمر الأعلى من الخالق سبحانه للنار أن تتعطل فيها خاصية الإحراق: {قُلْنَا يانار كُونِي بَرْداً وسلاما على إِبْرَاهِيمَ} [الأنبياء: 69] .
وكذلك في قصة رحمة الله لعبده زكريا تعطينا دليلاً على طلاقة القدرة في مسألة الخَلْق ، وليلفتنا إلى أن الخالق سبحانه جعل للكون أسباباً ، فمَنْ أخذ بالأسباب يصل إلى المسبِّب ، ولكن إياكم أنْ تُفتَنوا في الأسباب ؛ لأن الخالق سبحانه قد يعطيكم بالأسباب ، وقد يُلغيها نهائيا ويأتي بالمسبِّبات دون أسباب .
وقد تجلَّتْ طلاقة القدرة في قصة بَدْء الخَلْق ، فنحن نعلم أن جمهرة الناس وتكاثرهم يتم عن طريق التزاوج بين رجل وامرأة ، إلا أن طلاقة القدرة لا تتوقف عند هذه الأسباب والخالق سبحانه يُدير خلقه على كُلِّ أوجه الخَلْق ، فيأتي آدم دون ذكر أو أنثى ، ويخلق حواء من ذكر دون أنثى ، ويخلق عيسى من أنثى بدون ذكر .
فالقدرة الإلهية إذن غير مُقيَّدة بالأسباب ، وتظلّ طلاقة القدرة هذه في الخَلْق إلى أنْ تقومَ الساعة ، فنرى الرجل والمرأة زوجين ، لكن لا يتم بينهما الإنجاب وتتعطل فيهما الأسباب حتى لا نعتمد على الأسباب وننسى المسبِّب سبحانه ، فهو القائل: