قال ابن حجر: وَأَمَّا سُورَة (براءة) فَالْمُرَاد بَعْضهَا أَوْ مُعْظَمهَا، وَإِلَّا فَفِيهَا آيَات كَثِيرَة نَزَلَتْ قَبْلَ سَنَة الْوَفَاة النَّبَوِيَّة، وَأَوْضَحُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ أَوَّل بَرَاءَة نَزَلَ عَقِبَ فَتْح مَكَّة فِي سَنَةِ تِسْعٍ عَامَ حَجِّ أَبِي بَكْر، وَقَدْ نَزَلَ: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} ، وَهِيَ فِي الْمَائِدَة فِي حَجَّة الْوَدَاع سَنَةَ عَشْرٍ، فَالظَّاهِر أَنَّ الْمُرَاد مُعْظَمُهَا، وَلَا شَكَّ أَنَّ غَالِبهَا نَزَلَ فِي غَزْوَة تَبُوكَ وَهِيَ آخِرُ غَزَوَات النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم -.
فيكون الجمع بين القولين: أن آخرية سورة النصر نزولها كاملة بخلاف براءة كما تقدم توجيهه.
ويجمع بين هذه الاختلافات إن صحت بأن كل واحد أجاب بما عنده، وهذه الأقوال ليس فيها شيء مرفوع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكل قاله بضرب من الاجتهاد وغلبة الظن. ويحتمل أن كلًا منهم أخبر عن آخر ما سمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم - في اليوم الذي مات فيه أو قبل مرضه بقليل، وغيره سمع منه بعد ذلك وإن لم يسمعه هو، ويحتمل أيضًا أن تنزل هذه الآية التي هي آخر آية تلاها الرسول - صلى الله عليه وسلم - مع آيات نزلت معها، فيؤمر برسم ما نزل معها بعد رسم تلك، فيظن أنه آخر ما نزل في الترتيب.
الخلاصة:
نقول إن القول في آخر ما نزل ليس فيه شيء مرفوع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وما قاله الصحابة هو ضرب من الاجتهاد وغلبة الظن، وقد رجح ابن حجر بأن آخر ما نزل {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ} .
وقلنا أنه يمكن الجمع بين هذه الآية، وآية الربا كما تقدم. والله أعلم.
8 -شبهة: حول اختلاف المسلمين في المكي والمدني.
نص الشبهة:
يوجد اختلاف بين المسلمين في المكي والمدني.
والرد من وجوه:
الوجه الأول: معرفة المكي والمدني وفوائده، وأن الاختلاف في ذلك لا يضر.
الوجه الثاني: سبب الاختلاف في المكي والمدني.
الوجه الثالث: اختلاف العلماء ليس منهيًا عنه في مثل هذه الأمور.
وإليك التفصيل