واستدلوا بحديث عمرو بن شرحبيل أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لخديجة:"إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء، فقد والله خشيت أن يكون هذا أمرًا، فقالت: معاذ الله ما كان الله ليفعل بك، فوالله إنك لتؤدي الأمانة، وتصل الرحم، وتصدق الحديث، فلما دخل أبو بكر ذكرت خديجة حديثه له وقالت: اذهب مع محمد إلى ورقة، فانطلقا فقصا عليه فقال: إذا خلوت وحدي سمعت نداء خلفي يا محمد، يا محمد، فأنطلق هاربًا في الأفق، فقال: لا تفعل إذا أتاك فاثبت حتى تسمع ما يقول ثم ائتني فأخبرني، فلما خلا ناداه: يا محمد، قل: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) } حتى بلغ {وَلَا الضَّالِّينَ} ."
ويُجاب عنه: بأن الحديث ضعيف لا يثبت ولا يقاوم ما ثبت في الصحيح كما تقدم.
قال النووي: وَأَمَّا قَوْل مَنْ قَالَ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ: أَوَّل مَا نَزَلَ الْفَاتِحَة، فَبُطْلَانه أَظْهَر مِنْ أَنْ يُذْكَر، وَالله أَعْلَم.
وأبعد من قال أن أول ما نزل الفاتحة، بل هو شاذ.
القول الرابع: سورة من المفصل.
واستدلوا بحديث عائشة قالت: (أَوَّلَ مَا نَزَلَ مِنْهُ سُورَةٌ مِنْ الْمُفَصَّلِ فِيهَا ذِكْرُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ حَتَّى إِذَا ثَابَ النَّاسُ إِلَى الْإِسْلَامِ نَزَلَ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ) .
هَذَا ظَاهِره مُغَايِر لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ أَوَّل شَيْء نَزَلَ {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} ، وَلَيْسَ فِيهَا ذِكْر الْجَنَّة وَالنَّار، فَلَعَلَّ"مِنْ"مُقَدَّرَة أَيْ مِنْ أَوَّل مَا نَزَلَ، أَوْ الْمُرَاد سُورَة الْمُدَّثِّر فَإِنَّهَا أَوَّل مَا نَزَلَ بَعْد فَتْرَة الْوَحْي وَفِي آخِرهَا ذِكْر الْجَنَّة وَالنَّار، فَلَعَلَّ آخِرهَا نَزَلَ قَبْل نُزُول بَقِيَّة سُورَة اِقْرَأْ، فَإِنَّ الَّذِي نَزَلَ أَوَّلًا مِنْ اِقْرَأْ كَمَا تَقَدَّمَ خَمْس آيَات فَقَطْ.
الخلاصة:
من تحرير الأقوال السابقة يتضح أن القول في أول ما نزل هو: