وَأَمَّا {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) } ، فَكَانَ نُزُولهَا بَعْد فَتْرَة الْوَحْي، كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ جَابِر، وَالدَّلَالَة صَرِيحَة فِيهِ فِي مَوَاضِع مِنْهَا: قَوْله: (وَهُوَ يُحَدِّث عَنْ فَتْرَة الْوَحْي إِلَى أَنْ قَالَ: فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ(1) } ، وَمِنْهَا، قَوْله - صلى الله عليه وسلم:"فَإِذَا الْمَلَك الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءَ"، ثُمَّ قَالَ: فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) } .
وَمِنْهَا قَوْله:"ثُمَّ تَتَابَعَ الْوَحْي"يَعْنِي بَعْد فَتْرَته. فَالصَّوَاب أَنَّ أَوَّل مَا نَزَلَ {اقْرَأْ} وَأَنَّ أَوَّل مَا نَزَلَ بَعْد فَتْرَة الْوَحْي {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) } .
وقال السيوطي: أما قول من قال إن أول ما نزل: {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} فأجابوا عنه بأجوبة:
أولًا: أن السؤال في حديث جابر كان عن نزول سورة كاملة، فبين أن سورة المدثر نزلت بكمالها قبل نزول تمام سورة: (اقرأ) ، فإنها أول ما نزل منها صدرها.
ثانيًا: أن مراد جابر بالأولية أولية مخصوصة بما بعد فترة الوحي لا أولية مطلقة.
ثالثًا: أن المراد أولية مخصوصة بالإنذار، وعبر بعضهم عن هذا بقوله: أول ما نزل للنبوة {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} ، وأول ما نزل للرسالة: {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) } .
رابعًا: إن المراد أول ما نزل بسبب متقدم، وهو ما وقع من التدثر الناشئ عن الرعب، وأما اقرأ فنزلت ابتداء بغير سبب متقدم.
خامسًا: أن جابرًا استخرج ذلك باجتهاده وليس هو من روايته، فتقدم عليه رواية عائشة.
وجمع بعضهم بين القولين الأولين بأن قال: يمكن أن يقال أول ما نزل من التنزيل في تنبيه الله على صفة خلقه {اقْرَأْ} . وأول ما نزل من الأمر بالإنذار: {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) } .
القول الثالث: سورة الفاتحة.