بمقتضى فطرتهم ويتطلبونه إذا ضلوا. وهم لم يحيدوا عنه إلا خطأ أو جهلاً،
ورجوعهم إليه سهل إذا أرشدوا.
هذا وإني قد تركت بعض مسائل لم أبدِ ملاحظتي عليها في مقالة الأستاذ
الأولى خوفًا من التطويل والسآمة؛ ولأن البحث فيها لا يؤدي إلى نتيجة هامة في
الموضوع ولا يغير جوهر الكلام.
مبحث الصلاة
نبدأ الكلام في هذا البحث بذكر بعض مسائل يحتاج إليها القارئ كل الاحتياج
ليفهم حقيقة ما نرمي إليه فنقول:
(1) إن عدد ركعات الصلاة كما وصلنا متواتر عملاً عن النبي صلى الله
عليه وسلم.
(2) لو سلمنا أن أصحاب الرسول عليه السلام كانت تعتقد أن الفرض منها
ما هو معروف لما ضرنا ذلك شيئًا؛ لأننا نقول: لعل ذلك كان لأن النبي جمعهم
على هذه الأعداد المخصوصة وحتمها رغبة منه في كمال النظام وتمام الاتحاد ورفع
أي اختلاف بينهم إذ كانوا حديثي العهد بالوفاق والوئام! وليس من خَلَف بعدهم
مضطرًا لالتزام ما أمروا هم بالتزامه! فليس حديث ذي اليدين ولا حديث عائشة
اللذان أوردهما الأستاذ بمفيدين لنا في هذا البحث شيئًا، على أنهما ليسا بمتواترين
ونحن وإن احتججنا بمثلهما على غيرنا لقبوله ذلك لا نقبل الاحتجاج بهما على
أنفسنا؛ لأنهما لا يفيدان إلا الظن كما تقدم.
ثم إن الأستاذ لم يجبنا عن السبب في صلاة النبي ركعتين ركعتين مدة إقامته
بمكة وجزء من إقامته بالمدينة أي أكثر من نصف زمن الدعوة وأراد التخلص من
ذلك بمناقشتنا في بعض ألفاظ حديث عائشة وهو لم يرو كما نقله، ففي البخاري أن
عائشة - رضي الله عنها - قالت:(الصلاة أول ما فرضت ركعتان فأقرت صلاة
السفر وأتمت صلاة الحضر)، هذا الحديث أقرب إلى رأينا في عدم تسمية صلاة
السفر قصرًا منه إلى رأيهم وأظهر منه حديث عمر - رضي الله عنه - حيث قال:
(صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم) ، ولذلك اضطر كثير من
المفسرين إلى تأويلهما والأستاذ يظن أننا أول من أنكر تسمية صلاة السفر قصرًا
وتغاضى عن أقوال الصحابة أنفسهم.
(3) لم يرد حديث واحد متواتر لفظه عن النبي صلى الله عليه وسلم يأمرنا
نحن فيه بهذه الأعداد المخصوصة , أما حديث: (صلوا كما رأيتموني أصلي)