فهو ليس متواترًا وليس صحيحًا في أمر الركعات. وهب أنه يشمل ذلك فهو خاص
بمن في عصر النبي بدليل قوله: (كما رأيتموني) .
عجبًا منك - أيها الأستاذ البشري - كيف تحتج عليَّ بهذا الحديث وهو غير
صريح في المسألة. ولا تحتج به على أبي حنيفة الذي نقلت قوله ويظهر أنك
أقررته في أنه يكفي قراءة أي آية من القرآن في الصلاة ولو كانت غير الفاتحة،
مع أن النبي وأصحابه أجمعوا على المحافظة على قراءة الفاتحة في كل ركعة
وتواتر عنهم ذلك ولم ينقل عن النبي عليه السلام أنه تركها مرة واحدة في أول
الدعوة أو في آخرها في سفر أو حضر، فهل المصلي بدون الفاتحة يكون عندك
مصليًا كما صلى النبي ولا يكون كذلك من صلى ركعتين بدل الأربع؟ ولماذا ترى
أننا خالفنا طريق المؤمنين، ولا ترى أن أبا حنيفة فعل ذلك أيضًا؟! وما السبب
في ذهابه هذا المذهب؟ أليس ذلك لأنه يرى أن التواتر العملي وحده لا يكفي إذا لم
يصحب بأمر لفظي يفهم منه وجوب الشيء من عدمه ويكون غير قابل للتأويل ولا
الطعن فيه.
(4) لو كان وصلنا أصل الأمر بركعات الصلاة متواترًا لفظه فلربما كنا
نجد أنه يدل على أنه خاص بمن في عصر النبي عليه السلام، أو أنه على الأقل لا
يدل على العموم.
والإجماع على فهم مخصوص غير حجة علينا، فكم من أشياء فهمناها على
غير ما فهمها الصحابة والتابعون. انظر مثلاً إلى قوله تعالى: وَتَرَى الْجِبَالَ
تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا
تَفْعَلُونَ (النمل: 88) ، فلو سألت عنه جميع الصحابة والتابعين لقالوا لك هذا
يحصل يوم القيامة. مع أن كثيرًا من علمائنا الآن صاروا يقولون إنه حاصل في
الدنيا. ولو قال واحد في الزمان الأول: إن النبي أخبر الصحابة بدوران الأرض،
لاتفقوا جميعًا على إنكار ذلك وتكذيبه. ولو كانوا رووا القرآن بالمعنى لرووا هذه
الآية على حسب فهمهم. ولو لم يصلنا أصل النص لما علمنا أنه يحتمل ما قاله ذلك
المخالف للإجماع.
(5) غير المتواتر يفيد الظن ولا يفيد اليقين كما أقر بذلك الأستاذ البشري