التكليف بالقرآن في غاية السهولة وليس فيه من حرج. اللهم إلا أن يكون مراده
التكليف بالعمل بالسنة على وجه اليقين، فيكون كلامًا حجة عليه لا له.
وقد أقر أيضًا في هذا الباب بأن أصحاب كتب الحديث إذا اختلج في نفس
أحدهم أقل شبهة من أحد رواته نفض يديه منه وانقلب إلى أهله خاويًا من ذاك
الحديث وفاضه، وهذا القول يؤيد ما قلناه من أن السنة حصل فيها نقص كل التأييد،
فإن الحديث إذا كان يرفض لأقل شبهة في أحد الرواة فلابد أنهم رفضوا أحاديث
كثيرة، ولابد أن بعضها كان صحيحًا في الواقع ونفس الأمر؛ إذ الاشتباه في
الراوي لا يمنع من ذلك.
أما دفاعه عن المجتهدين ومحاولته أن يقول: إنهم جميعًا على الحق وإن
اختلفوا فمما لا يقبله العقل، فإن الحق واحد وإذا كان مع أحدهم فلا يمكن أن يكون
مع مخالفه، وإذا كان مراده أنهم كلهم مثابون على اجتهادهم فأنا لم أعارض في ذلك،
ولم يكن هذا موضوع بحثي في مقالتي السابقة.
الإجماع
استدل عليه بآية وأخطأ في إيرادها ونصها كما قال المنار: وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ
جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (النساء: 115) ، وهي كما ترى في غير هذا المقام ولا
تناسب ما نحن فيه، وعلى فرض المناسبة نقول: إنه لم يرد في القرآن أن
المؤمنين لا يخطئون. أو أن طريقهم واحد ولا يسيرون في طريق الباطل. ولو
أورد لنا آية بهذا المعنى لكانت حجة لحضرته. والذي نعلمه أن المؤمنين يجوز
عليهم جميعًا الخطأ ويجوز أن يسيروا في طريق الباطل، فمن خالفهم فيه أثابه الله،
ومن لم يتبع سبيلهم الحق عذبه الله. فمعنى الآية هكذا: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ} (النساء: 115) ، أي يعصيه ويخالفه مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ
غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ (النساء: 115) ؛ أي: طريقهم الحق عذبه الله بما ذكر،
وإذا سار المؤمنون في طريق الباطل فلا يسمى هذا طريقهم؛ لأنه أمر عارض
يخالف طبيعتهم. ولا يزال طريق الحق يسمى طريقهم؛ لأنه هو الذي يحنون إليه