معناه: إنه قد يرد في الكتاب لفظ مشترك بين معنيين متناقضين ولا يمكن ترجيح
أحدهما على الآخر إلا بالسنة , وأقول: إنه من المستحيل أن يرد في الكتاب لفظ لا
يتعين المراد منه إلا إذا كان معنياه يؤديان إلى الفائدة المطلوبة بعينها كلفظ القروء
الذي استشهد به حضرته في قوله تعالى: وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ
قُرُوء (البقرة: 228) ، فسواء أريد به الحيض أو الطهر فالنتيجة واحدة , على
أنهم قالوا: إن الأصل فيه الانتقال من الطهر إلى الحيض، والترجيح بالسنة لم يؤدِّ
إلى النتيجة المرغوبة؛ لأن أبا حنيفة وإن كان أخذ بحديث(طلاق الأمة ثنتان
وعدتها حيضتان)إلا أن غيره لم يبالِ بذلك وأخذ بأدلة أخرى، فقالت الشافعية
والمالكية: إن المراد بالقرء الطهر. وهذا هو الذي اشتكينا ونشتكي منه. فيا أيها
الفاضل المناظر أتدعونا إلى شيء لم يفدكم أنتم المتمسكين به ولا زلتم مختلفين
فيه؟! هذا، ولتعلم أن ما قلته في هذا الباب يعد طعنًا منك في بيان القرآن المبين
وبلاغته، فلتستغفر الله تعالى منه ولتتب إليه.
مراتب السنة الصحيحة
أقر الأستاذ في هذا الباب بأن ماعدا المتواتر لا يفيد اليقين. وأن العمل به
عمل بالظن، وقال: إن التكليف باليقين تكليف بما لا يطاق أو موجب للحرج على
الأقل وهو مدفوع بقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} (الحج:
78)، ونقول: إن الله تعالى لا يتعبدنا بالظن وإلا لما ذمه في كتابه كثيرًا. قال
تعالى: وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ
الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (الأنعام: 116) ، وقال أيضًا: قُلْ هَلْ عِندَكُم
مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ(الأنعام:
148)والسياق يدل على أن الآية الأولى خصوصًا واردة في الأحكام لا في العقائد.
فكيف يذمه الله تعالى ثم يوجب علينا العمل به؟
وقول الشيخ: (إن التكليف باليقين تكليف بما لا يطاق إلخ) غلط؛ لأن