ونحوها وإنما المراد الحكم والمواعظ والآداب والفضائل وأنواع التهذيب والتأديب
والتثقيف التي قام بها النبي صلى الله عليه وسلم نحو الأمة العربية حتى أخرجها من
ظلمات الهمجية إلى نور العلم والمدنية. ونحن لا نرفض شيئًا من ذلك بل نقبله
على العين والرأس كما قلنا في المقالة السابقة، والذي ندعيه أن القرآن مشتمل على
أمهاتها، ولا أظن أن حضرة الأستاذ يخالفنا في ذلك.
الآية الربعة: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} (النساء: 59) ونحن لم
نعارض في ذلك بل نقول: إن إطاعة الرسول فرض محتم على كل من أمره بشيء،
وإنما موضوع البحث هو: هل أوامر الرسول القولية (السنة) خاصة بزمنه أم
عامة؟ وبعبارة أخرى هل فرض علينا نحن فرضًا غير ما في كتاب الله تعالى؟
وهل للرسول أن يفرض على من ليس في عصره وبعد تمام القرآن شيئًا زيادة عما
فيه؟ أما من كانوا في عصره فله أن يأمرهم بأي شيء يرى فيه مصلحة لهم في
دينهم أو دنياهم؛ لأنه رئيسهم وأعظم أولياء أمورهم وأعلمهم بما فيه الفائدة
وأرجحهم عقلاً وهو أولى الناس بتطبيق القرآن على حالهم وتقييد مطلقه بما يوافقهم،
وطاعتهم له واجبة.
ولو وجه إلينا خطابه لوجبت علينا نحن أيضًا ولعلمنا أن الله أمره بذلك،
ولكن دعوانا أنه لم يفعل , فهذه الآية التي نحن بصدد الكلام عليها تشبه من وجه
قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلاَ تَجْهَرُوا
لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ (الحجرات: 2) فلو وجد عليه السلام في زماننا
لحق علينا امتثال هذا الأمر.
الآية الخامسة: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا
عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ
الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ (الأعراف: 157) فليس في هذه الآية ما يدل
على أن الرسول يأمر أو ينهى أو يحل أو يحرم بغير ما في القرآن فمن اتبع القرآن