والضمير في أغطش ليلها عائد علي السماء , بمعني أن الله تعالي قد جعل ليل السماء حالك السواد من شدة اظلامه , فهو دائم الاظلام سواء اتصل بظلمة ليل الأرض (في نصف الكرة الأرضية الذي يعمه الليل) أو انفصل عن الأرض بتلك الطبقة الرقيقة التي يعمها نور النهار (في نصف الأرض المواجه للشمس) فيصفه ربنا (تبارك وتعالي) بقوله: وأخرج ضحاها أي أظهر ضوء شمس السماء لأحاسيس المشاهدين لها من سكان الأرض بالنور والدفء معا في أثناء نهار الأرض , والضحي هو صدر النهار حين ترتفع الشمس ويظهر ضوؤها جليا للناس , بينما يبقي معظم الكون غارقا في ظلمة السماء.
ويؤكد هذا المعني قسم الحق (تبارك وتعالي وهو الغني عن القسم) بالنهار إذ يجلي الشمس أي يكشفها ويوضحها فيقول (عز من قائل) :
والشمس وضحاها * والقمر إذا تلاها * والنهار إذا جلاها * والليل إذا يغشاها * (الشمس:1 ــ 4)
أي أن النهار هو الذي يجعل الشمس واضحة جلية لأحاسيس المشاهدين لها من سكان الأرض , وهذه لمحة أخري من لمحات الإعجاز العلمي في كتاب الله تقرر أن ضوء الشمس لا يري إلا علي هيئة النور في نهار الأرض.
وأن الكون خارج نطاق نهار الأرض ظلام دامس , وأن هذا النطاق النهاري لابد أن به من الصفات ما يعينه علي إظهار وتجلية ضوء الشمس للذين يشهدونه من أحياء الأرض.
فسبحان الذي أنزل القرآن بالحق , أنزله بعلمه , وجعله معجزة خاتم أنبيائه ورسله , في كل أمر من أموره , وفي كل آية من آياته , وفي كل إشارة من إشاراته , وفي كل معني من معانيه , وجعله معجزة أبدية خالدة علي مر العصور , لا تنتهي عجائبه , ولا يخلق علي كثرة الرد إلي أن يرث الله تعالي الأرض ومن عليها وصلي الله وسلم وبارك علي خاتم الأنبياء والمرسلين الذي شرفه ربه (تبارك وتعالي) بوصفه أنه لا
ينطق عن الهوي فقال (عز من قائل) :
وما ينطق عن الهوي * إن هو إلا وحي يوحي * علمه شديد القوي * (النجم:3 - 5) . انتهى انتهى. {الإشارات الكونية في القرآن الكريم ومغزي دلالتها العلمية. للدكتور: زغلول النجار} .