أظهر مصحفا غير مصحفهم، ولا ادّعى لله كلاما غير الذي معهم، وليس ما يدلّ في بعض الرّوايات من أنّه كان له مصحف، أوّله اقرأ باسم ربّك، فخالفه عليهم، لأنّه ليس في ترتيب السّور نصّ ولا توقيف على ما بيّناه من قبل، وليس بين هاتين الرّوايتين أيضا تعارض - أعني قوله: المدينة حرم إلى آخر ما ذكرها، وقوله: من تولّى مولى قوم بغير إذن مواليه - لأنّه يجوز أن يكونا جميعا كانا في الصّحيفة، وأن يكون قرأ ذلك في وقعتين، وحفظ عليه مرّتين لما رآه من المصلحة في ذلك، لا تعارض بين هذه الرّوايات وبين ما روي في بعض الآثار من أنه كان في الصحيفة أسنان الإبل يعني إبل الصّدقة، وأن المؤمنين تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمّتهم أدناهم، ألا لا يقتلنّ مؤمن بكافر ولا حرّ بعبد، لأنه قد يكون ذلك أجمع فيها ويقرأها في مرات، ويذكره في مواقف شتى.
وقد كان عليه السّلام يلقّن أولاده وأصحابه القرآن، فما روي عنه أنّه أقرأ أحدا منهم شيئا يخالف مصحف الجماعة، وكان أبو عبد الرحمن يقرئ الناس في مسجد الكوفة أربعين سنة بحرف الجماعة ويقول: أقرأني بذلك عليّ وعثمان وزيد بن ثابت، فلم يعترض عليه أحد في هذه الدّعوى ولا ردّها، كل هذا يدلّ على كذب من ادّعى على عليّ عليه السّلام مخالفة الجماعة على مصحفهم، ويقرأه بقرآن عنده.
ثم يقال لهم: لو كان نقل الشّيعة الذي ذكرتموه واردا على شرط ما وصفتم، كثرة عن كثرة حتى ينتهي في الأصل إلى قوم بهم تقوم الحجّة، سمعوا إنكاره على عليّ وخلافه على القوم بما قلّ أو كثر، لوجب لنا علم الضرورة بصدقكم، وللزم قلوبنا العلم بصحة نقلكم وثبوت روايتكم، لأنّ هذه سبيل العلم بكل خبر تواتر نقله واستوى طرفاه ووسط، وفي رجوعنا إلى أنفسنا مع سماعنا لقول مدعي ذلك منكم، ووجودنا أنفسنا مع سماعنا غير عالمة بصحّة دعواه وروايته أوضح دليل على كذبكم في هذه الرواية، وبمثل هذه الطريقة بعينها يعلم بطلان نقلكم لنصّ النّبي صلّى الله عليه على عليّ عليه السّلام، وأمره للنّاس بالانقياد والخنوع لطاعته، وقد أشبعنا القول في ذلك في كتابي"الإمامة"وغيرها بما يغني متأمله.
فإن قالوا: لم يبلغ نقلنا لذلك عن علي عليه السّلام مبلغا يوجب علم الضرورة، وإنّما يعلم صحّة نقلنا بدليل، قيل لهم: فما ذلك الدليل، فإنّا غير عالمين بصحّة ما ذكرتم، ولا عارفي الدليل على ثبوته.