فكذلك كتَب الله - أيْ: سجَّل تسجيلاً لا تبديل له - أنَّ لحياة الأُمَم وسعادتها وبقائها أُمَّةً متماسكة محتفظة بالمقوِّمات الجامعة لأفرادِها وأُسَرِها، وراعيها ورعيَّتها، عزيزة الجانب، مرهوبة من عدوِّها - سُننًا كونيَّة، مسجَّلةً على صفحات هذا الوجود وصفحات الكتب المُنَزَّلة، وأوضحها وأجْمَعها لذلك: القرآن الكريم؛ بما قصَّ من نبأ الماضين، وبما أعطى في قصَصِهم من عبرة وذكرى لقوم يعقلون، وأنَّ لِمَوت الأُمَّة - المعبَّر عنها بالقرية؛ لأنَّها البلد الكبيرة، التي تُمَثِّل الأُمَّة في مَجْموعها ومظهرها، بوجود الحاكمين والرُّؤَساء فيها، وهي التي تُعْرف في العصر الحاضر باسْمِ العاصمة - ولِهَلاكِها سُننًا وأسبابًا، متَى أخذت الأُمَّة بها، فلا بُدَّ أن يكون ذلك مؤدِّيًا بها إلى الدِّماء والهلاك الحسِّي بالعذاب المستأصل، كما حلَّ بقوم نوحٍ وهود وصالِحٍ ولوط، وغيرهم مِمَّن قصَّ الله نبأهم عِبْرة، أو بالهلاك الأدَبِيِّ، كما هو الشَّأن في بني إسرائيل الذين ضُرِبَت عليهم الذِّلة والمسكنة، وباؤوا بغضبٍ من الله، وكما هو الشَّأن في كلِّ جماعة أمَّة وقرية كفَرَتْ بآيات الله الكونيَّة والعلمية عِلْمًا وعملاً، وعقيدة وحُكْمًا، وأدبًا وخُلقًا، وجعلت حظَّها منها الدَّعوى العصبيَّة، والألقاب الرسْميَّة والاسْمية، وخانَتْ نفسها وخدعَتْها وغشَّتْها بِمَزاعمَ وأوهامٍ لا تلبَث أمام نظَرِ وفَحْص البصير العاقل أن تَذْهب مع الرِّيح هباء؛ إذِ اغْترَّت بأنها تقرأ القرآن - مثلاً - للموتى والمقابر وللبَرَكة، وتعظِّمه باتِّخاذه حُجبًا وتَمائِمَ، وتُوَقِّره بِوَضْعه على منصَّات المُتَحاكمين إلى الطَّاغوت؛ لِيَحلف عليه الشَّاهد، وزادَتْ نفسها غِشًّا وخيانة بأنْ زعمَتْ ما هي عليه من هذه الطواغيت المعبودة في القبور والأنصاب والمُطَاعة في الكتب والقوانين، والمُحكمة في تربية النَّشْء وتعليم الأجيال هذه الفلسفات الضالَّة، والْحُثالات القذرة من رَشْح أوربَّا، ومدنيَّتها المُلْحِدة الكافرة الفاجرة - زعمَتْ أنَّ كُلَّ ذلك التمرُّد على الله وعلى كتابه ورسوله والتَّكذيب لآياته، والاستكبار عليها بِكُلِّ هذه الألوان: