وما كان مكرهم ليزول منه ما هو مثلُ الجبال في امتناعه ممن أراد إزالته، هذا الذي ذكرنا معنى قول الحسن: كان مكرُهم أوهنَ وأضعفَ من أن تزول منه الجبال، قال: و (إن) هاهنا بمعنى (ما) ؛كقوله: {لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء: 17] وقول: {فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ} [الأحقاف: 26] ، وهو كثير، وهذا القول اختيار أبي إسحاق وأبي بكر وأبي علي.
قال أبو علي: وقد استعمل لفظ الجبال في غير هذا، في تعظيم الشيء وتفخيمه، قال ابن مُقبل:
إذا مِتُّ عن ذِكرِ القوافي فَلَنْ تَرَى ... لها شَاعِرًا مِثلي أطَبَّ وأَشْعَرَا
وأكثرَ بَيْتًا شَاعِرًا ضُرِبَتْ به ... بُطُون جِبَالِ الشِّعْرِ حتَّى تَيَسَّرا
فاستعار للشعر جبالاً؛ يريد امتناعه على من أراده. هذا الذي ذكرنا معنى قراءة العامة، وقرأ الكسائي: (لَتزولُ) بفتح اللام الأولى وضم الثانية، وعلى هذه القراءة معنى قوله: {وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ} يعني الأمم الكافرة من قبل؛ وهم الذين ذُكروا في قوله: {الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ} وهو معنى قول ابن عباس: يريد ما مكر نمرود بإبراهيم، يجوز أن يعني أيضًا مكر الكفار بالنبيّ - صلى الله عليه وسلم - كما ذكرنا، {وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ} معنى (إنْ) على هذه القراءة المخففة من الثقيلة، قاله أبو علي.
وقال أبو بكر: (إنْ) مع اللام يعني بها هاهنا: (قد) ؛ كما يقول العربي: إنْ كان عبد الله لَيزورنا، يريد: قد كان، واللام في: {لِتَزُولَ} لام الجواب، والمستقبل بعدها مرفوع، والمعنى قد كانت الجبال تزول من مكرهم على تعظيم أمر مكرهم؛ كقوله: {وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا} [نوح: 22] .
وقال أبو إسحاق: وإن كان مكرُهم يبلغ في الكيد إلى إزالة الجبال، فإن الله ينصرُ دينه، فإن قيل هذه القراءة على ما ذكرتم يُوجب أن الجبال قد زالت بمكرهم وهل كان ذلك؟