ودخل هو وصاحب له في التابوت وأغلق بابه ، ثم أرسلهما ، فجعلا يريدان اللحم ، فصَعِدا في السماء ما شاء الله ، ثم قال لصاحبه: افتح وانظر ماذا ترى؟ ففتح ، فقال: أرى الأرض كأنها الدخان ، فقال له: أغلِق ، ثم صَعِد ما شاء الله ، ثم قال: افتح فانظر ، ففتح ، فقال: ما أرى إِلا السماء ، وما نزداد منها إِلا بُعداً ، قال: فصوِّب خشبتك ، فصوَّبَها ، فانقضَّت النسور تريد اللحم ، فسمعت الجبال هدَّتها ، فكادت تزول عن مراتبها.
هذا قول علي ابن أبي طالب.
وفي رواية عنه: كانت النسور أربعة.
وروى السُّدِّي عن أشياخه: أنه ما زال يصعد إِلى أن رأى الأرض يحيط بها بحر ، فكأنها فَلْكة في ماءٍ ، ثم صَعِدَ حتى وقع في ظُلمة ، فلم ير ما فوقه ولم ير ما تحته ، ففزع ، فصوب اللحم ، فانقضَّت النسور ، فلما نزل أخذ في بناء الصرح.
وروي عن ابن عباس أنه بنى الصرح ، ثم صَعِدَ منه مع النسور ، فلما لم يقدر على السماء ، اتخذه حِصناً ، فأتى الله بنيانَه من القواعد ، وقال عكرمة: كان معه في التابوت غلام قد حمل القوس والنُّشَّاب ، فرمى بسهم فعاد إِليه ملطَّخاً بالدم ، فقال: كُفيتَ إِله السماء ، وذلك من دم سمكة في بحر معلَّق في الهواء ، فلما هاله الارتفاع ، قال لصاحبه: صوِّب الخشبة ، فصوَّبَها ، فانحطت النسور ، فظنت الجبال أنه أمرٌ نزل من السماء فزالت عن مواضعها.
وقال غيره: لما رأت الجبال ذلك ، ظنت أنه قيام الساعة ، فكادت تزول ، وإِلى هذا المعنى ذهب سعيد بن جبير ، وأبو مالك.
والقول الثاني: أنه بختنصر ، وأن هذه القصة له جرت ، وأن النسور لما ارتفعت تطلب اللحم إِلى حيث شاء الله ، نودي: يا أيها الطاغية ، أين تريد؟ ففرِق ، ثم سمع الصوت فوقه ، فنزل ، فلما رأت الجبال ذلك ، ظنت أنه قيام الساعة فكادت تزول ، وهذا قول مجاهد.
والثالث: أن المشار إِليهم الأمم المتقدمة.
قال ابن عباس ، وعكرمة: مكرهم: شركهم.