وأجيب أيضاً: بأن المراد الأمن من الخراب إلى قرب الساعة، فإن ذا السويقتين، يخرب الكعبة قرب الساعة، بعد موت عيسى عليه السلام.
فائدة: قول إبراهيم {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ} الخ، يقتضي أن دأبه الدعاء، وما ورد من قوله حين ألقي في النار: حسبي من سؤالي علمه بحالي، يقتضي أنه لم يكن دأبه الدعاء، فما السر في ذلك؟
أجيب: بأنه كان في زمن إلقائه في النار، في مقام الفناء والسكر، وهو الغيبة عن شهود الخلق بشهود الحق، فلا يشهد أثراً، وفي زمن دعائه في مقام البقاء وجمع الجمع، وهو البقاء بالله بمعنى شهود الآثار بعد شهود مؤثرها، فمقامه في حال دعائه، أعلى وأجل من مقامه في حال تركه له، ولا يقاس بمقامات الأنبياء مقام، بل بدايتهم أعلى وأجل من نهاية غيرهم، فالأولياء وإن عظموا، لا يصلون لأدنى رتب الأنبياء، وأما قول أبي الحسن الشاذلي: وأقرب مني بقدرتك قرباً تمحق به عني كل حجاب محقته عن إبراهيم خليلك الخ، فمعناه قرباً يليق بي، لا كقرب الخليل، فقد طلب من الله أن يذيقه قطرة من بحار تجلياته التي تجلى بها على الخليل حتى أسكره، فلم يشهد شيئاً سواه.
قوله: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ} المراد أولاده وأولاد أولاده، كإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط.
إن قلت: إن الأنبياء معصومون من الشرك، ففي دعائه تحصيل الحاصل. والجواب الأتم: أن دعاءه تشريع وتعليم وتذلل وتواضع، مع كونه يعلم عصمة نفسه، ويقال مثل هذا في دعوات باقي الأنبياء بالنجاة، مما هم معصومون منه، كعذاب النار، وغضب الجبار، ونحو ذلك.
قوله: {رَّبَّنَآ} كرر النداء تأكيداً.
قوله: (بعبادتهم لها) أشار بذلك إلى أن نسبة الإضلال للأصنام مجاز، لأنها سبب في الضلال بسبب عبادتها.
قوله: {فَإِنَّهُ مِنِّي} أي منسوب لي وملحق بي.
قوله: (هذا قبل علمه) الخ. جواب عما يقال: إن الله لا يغفر الشرك، فكيف يقول {فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} ؟ وأجيب أيضاً: بأن قوله: {وَمَنْ عَصَانِي} أي بغير الكفر، وبأن طلب الغفران لذريته الكفار إن ماتوا على الإسلام.