والإمام لم يرتض أكثر هذه الأوجه وجعل هذا الكلام منه عليه السلام شفاعة في إسقاط العقاب عن أهل الكبائر قبل التوبة وأنه دليل لحصول ذلك لنبينا صلى الله عليه وسلم فقال: إن المعصية المفهومة من الآية إما أن تكون من الصغائر أو من الكبائر بعد التوبة أو قبلها ، والأول والثاني باطلان لأن {مِنْ عَصَانِى} مطلق فتخصيصه عدول عن الظاهر ، وأيضاً الصغائر والكبائر بعد التوبة واجبة الغفر إن عند الخصم فلا يمكن اللفظ عليه فثبت أن الآية شفاعة لأهل الكبائر قبل التوبة ، ومتى ثبتت منه عليه السلام ثبتت في حق نبينا عليه السلام والسلام لمكان {اتبع مِلَّةَ إبراهيم} [النحل: 123] ونحوه ، ولئلا يلزم النقص وهو كما ترى ، وقد مر لك ما ينفعك في هذا المقام فتذكر هداك الله تعالى.
{رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ}
{رَبَّنَا} قال في"البحر"كرر النداء رغبة في الإجابة والالتجاء إليه تعالى ، وأتى بضمير الجماعة لأنه تقدم ذكره عليه السلام وذكر بنيه في قوله: {واجنبنى وَبَنِيَّ} [إبراهيم: 35] وتعقب بأن ذلك يقتضي ضمير الجماعة في {رَبّ إِنَّهُنَّ} [إبراهيم: 36] الخ مع أنه جيء فيه بضمير الواحد ، فالوجه إن ذلك لأن الدعاء المصدر به وما هو بصدد تمهيد مبادئ إجابته من قوله: {إِنَّى أَسْكَنتُ} الخ متعلق بذريته ، فالتعرض لوصف ربوبيته تعالى لهم أدخل في القبول وإجابة المسؤول ، والتأكيد لمزيد الاعتناء فيما قصده من الخبر {وَمِنْ} في قوله {مِن ذُرّيَّتِى} بمعنى بعض وهي في تأويل المفعول به أي أسكنت بعض ذريتي ، ويجوز أن يكون المفعول محذوفاً والجار والمجرور صفته سدت مسده أي أسكنت ذرية من ذريتي {وَمِنْ} تحتمل التبعيض والتبيين.