وقوله: {وَمَنْ عَصَانِي} : ظاهره بالكُفْر ؛ لمعادلة قوله: {فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي} ، وإِذا كان ذلك كذلك ، فقوله: {فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} : معناه: بتوبَتِكَ على الكَفَرَةِ ؛ حتى يؤمنوا لا أنَّه أراد أنَّ اللَّه يغفر لكَافِرٍ ، وحمله على هذه العبارة ما كَانَ يأخذ نَفْسَهُ به من القَوْلِ الجميلِ ، والنُّطْقِ الحسنِ ، وجميلِ الأَدَبِ صلى الله عليه وسلم ، قال قتادة: اسمعوا قوْلَ الخليلِ صلى الله عليه وسلم: واللَّه ما كانُوا طَعَّانين ولا لَعَّانِينِ ، وكذلك قولُ نبيِّ اللَّه عيسى عليه السلام: {وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم} [المائدة: 118] ، وأسند الطبريُّ عن عبد اللَّهِ بْن عَمْرٍو حديثاً: أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، تلا هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ ، ثم دعا لأمته فبَشَّرَ فيهم ، وكان إِبراهيمُ التَّيْمِيُّ يقول: مَنْ يأمن على نفْسه بَعْدَ خوف إِبراهيمَ الخليل على نَفْسِهِ مِنْ عبادة الأصْنام.
وقوله: و {مِن ذُرِّيَّتِي} : يريد: إِسماعيل عليه السلام ، وذلك أَنَّ سارَّة لمَّا غارَتْ بهاجَرَ بَعْدَ أَنْ ولدَتْ إِسماعيل ، تشوَّش قلبُ إِبراهيم مِنْهُما ، فروي أنَّه رَكِبَ البُرَاقَ هو وهَاجَر ، والطفلُ ، فجاء في يَوْمٍ واحدٍ من الشامِ إِلى بَطْنِ مَكَّة ، فتركَهُما هناك ، ورَكِبَ منصرفاً من يومه ذلك ، وكان ذلك كلُّه بوحْيٍ من اللَّه تعالى ، فلمَّا ولى ، دعا بمضمَّن هذه الآية ، وأمَّا كيفيَّة بقاء هَاجَرَ ، وما صَنَعَتْ ، وسائرُ خَبَر إِسماعيل ، ففي كتابِ البخاريِّ وغيره ، وفي السير ، ذُكِرَ ذلك كلُّه مستَوْعَباً.