وكذلك قال نبي الله عيسى عليه السلام: {وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم}
{رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ}
الهوى: الهبوط بسرعة ، قال الشاعر:
وإذا رميت به الفجاج رأيته ...
تهوي مخارمها هوى الأجدل
{ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون} : كرر النداء رغبة في الإجابة وإظهاراً للتذلل ، والالتجاء إلى الله تعالى.
وأتى بضمير جماعة المتكلمين ، لأنه تقدم ذكره.
وذكر بنيه في قوله: واجنبني وبنيَّ ، ومن ذريتي هو إسماعيل ومن ولد منه.
وذلك هاجر لما ولدت إسماعيل غارت منها سارة ، فروى أنه ركب البراق هو وهاجر والطفل ، فجاء في يوم واحد من الشام إلى مكة ، فنزل وترك ابنه وأمته هنالك ، وركب منصرفاً من يومه ذلك ، وكان هذا كله بوحي من الله تعالى ، فلما ولي دعا بما في ضمن هذه الآية.
وأما كيفية بقاء هاجر وما جرى لها ولإسماعيل هناك ففي كتاب البخاري والسير وغيره.
ومِن للتبعيض ، لأنّ إسحاق كان في الشام ، والوادي ما بين الجبلين ، وليس من شرطه أن يكون فيه ماء ، وإنما قال: غير ذي زرع ، لأنه كان علم أن الله لا يضيع هاجر وابنها في ذلك الوادي ، وأنه يرزقها الماء ، وإنما نظر النظر البعيد فقال: غير ذي زرع ، ولو لم يعلم ذلك من الله تعالى لقال: غير ذي ماء ، على ما كانت عليه حال الوادي عند ذلك.
قال ابن عطية: وقد يقال إن انتفاء كونه ذا زرع مستلزم لانتفاء الماء الذي لا يمكن أن يوجد زرع إلا حيث وجد الماء ، فنفى ما يتسبب عن الماء وهو الزرع لانتفاء سببه وهو الماء.
وقال الزمخشري: بواد هو وادي مكة ، غير ذي زرع: لا يكون فيه شيء من زرع قط كقوله: {قرآناً عربياً غير ذي عوج} بمعنى لا يوجد فيه اعوجاج ، ما فيه إلا استقامة لا غير انتهى.