عاث يعيث عيثاً ، وهو الإسراع في الفساد ، فالمعنى على ما قال الجمهور: ولا تفعلوا الفساد عمداً وهو واضح ، وعلى ما قدّرته من أصل المعنى الذي هو للمدار أوضح ، وعلى ما قال الزبيدي: ولا تسرعوا فيه ، فلا يظن أنه يكون الإسراع حينئذ قيداً حتى ينصب النهي إليه ، بل هو إشارة إلى أنه لا يكون الإقدام بلا تأمل إلا كذلك لملاءمته للشهوة - والله أعلم ؛ والوفاء: تمام الحق ؛ والبخس: النقص ، فهو أخص من الظلم لأنه وضع الشيء في غير موضعه.
ولما كان نظرهم بعد الشرك مقصوراً على الأموال ، وكان نهيه عما نهى عنه موجباً لمحقها في زعمهم ، كانوا كأنهم قالوا: إنا إذا اتبعناك فيما قلت فنيت أموالنا أو قلت فتضعضعت أحوالنا ، فلا يبقى لنا شيء ؟ فقال: {بقيت الله} أي فضل الملك الأعلى المستجمع لصفات الكمال ، وبركته في أموالكم وجميع أحوالكم وإبقائه عليكم نظره إليكم الموجب لعفوه الذي هو ثمرة اتباع أمره {خير لكم} مما تظنونه زيادة بالنقص والظلم ، وذلك أن بقية الشيء ما فضل منه ، وتكون أيضاً بمعنى البقيا ، من أبقى عليه يبقي إبقاء ، واستبقيت فلاناً - إذا عفوت عن ذنبه ، كأن ذلك الذنب أوجب فناء وده أو فناه عندك ، فإذا استبقيته فقد تركت ما كان وجب ، ويقولون: أراك تبقي هذا ببصرك - إذا كان ينظر إليه - قاله الإمام أبو عبد الله القزاز في ديوانه الجامع ، وسيأتي في آخر السورة بيان ما تدور عليه المادة.