إلا أنه بالرغم من جميع الجهود التي بذلها في سبيل هدايتهم وإقناعهم بالحق أصروا على ما هم فيه، ولم يكتفوا بإصرارهم على الباطل، بل أطلقوا لألسنتهم العنان في الطعن على شعيب والطعن في دعوته، والتهديد له بالرجم إلى أن يموت، وذلك ما تشير إليه الآيات التالية: {قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ} أي إن دعوتك لا يستسيغها عقل ولا يقبلها منطق {وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا} أي لا عصبة لك من كبار القوم {وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ} أي لولا أن لعشيرتك معزة عندنا، ومكانة خاصة بيننا، لقمنا برجمك، و"الرجم"أشق العقوبات
وأكثرها تعذيبا {وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ} .
وما كان من شعيب عليه السلام إلا أن رد عليهم في حدود الأدب المعهود من الأنبياء، وفي نطاق الدعوة المأمور بتبليغها عن الله {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا} أي رفضتم دعوته وعصيتم أمره {إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} .
ولما انقطع كل أمل في قلوبهم للإصلاح الذي جاءهم به شعيب عن الله تبرأ منهم ومن أعمالهم، ووكلهم إلى عذاب الله المرتقب، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى حكاية عن شعيب يحذرهم وينذرهم: {وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ} أي اعملوا على طريقتكم فأنا عامل على طريقتي، على غرار قوله تعالى في آية أخرى: {لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ} [الشورى: 15] وقوله تعالى {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} [الكافرون: 6] ثم مضى ينذرهم قائلا: {سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ} أي ستعلمون من الكاذب فينا ومن المعذب؟ هل أنا أم أنتم، على غرار قوله تعالى في آية أخرى: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [سبأ: 24] ، {وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ} .