وادخل أنت في الفلك ، وامرأتك ، وبنوك ، ونساء بنيك ، ومن كل زوجين من الحيوان ذكراناً وإناثاً ، فإني منزل المطر على الأرض ، أربعين يوماً وأربعين ليلة ، فأتلف كل شيء خلقته على الأرض.
فأرسل الله تعالى ماء الطوفان على الأرض ، في سنة ستمائة من عمر نوح ولبث في الماء مائة وخمسين يوماً ، وعاش بعد الطوفان ثلاثمائة وخمسين سنة.
وروي عن وهب بن منبه ، أنه قال: مكث نوح ينجر السفينة مائة سنة ، فلما فرغ من عملها أمره الله تعالى أن يحمل فيها من كل زوجين اثنين ، فحمل فيها امرأته وبنيه ونساءهم ، فركب فيها لسبع عشرة ليلة خلت من صفر ، فمكث في الماء سبعة أشهر لم يقر لها قرار ، فأرسيت على الجودي خمسة أشهر ، فأرسل الغراب لينظر كم بقي من الماء ، فمكث على جيفة فغضب عليه نوح ولعنه ، ثم أرسل الحمامة فوقعت في الماء ، فبلغ الماء قدر حمرة رجليها ، فجاءت فأرته فبارك عليها نوح.
قوله تعالى: {وَيَصْنَعُ الفلك} يعني: ينجر السفينة.
ويقال: إن الله تعالى أمره بأن يغرس الأشجار ، فغرسها حتى أدركت ، وقطعها حتى يبست ، ثم اتخذ منها السفينة ، فاستأجر أجراء ينحتون معه.
{وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مّن قَوْمِهِ} يعني: الأشراف من قومه {سَخِرُواْ مِنْهُ} يعني: استهزؤوا به ، وكانوا يقولون: إن الذي يزعم أنه نبي صار نجاراً ، ومرة كانوا يقولون: أتجعل للماء إكافاً فأين الماء.
{قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ} يعني: إن تسخروا منا اليوم ، فإنا نسخر منكم بعد الهلاك ، يعني: يصيبكم جزاء السخرية ، {كَمَا تَسْخَرُونَ} منا ، يعني: بما تسخرون ويقال إن تستجهلوا بنا بهذا الفعل ، فإنا نستجهلكم بترك الإيمان ، كما تستجهلوننا {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} يعني: تعرفون بعد هذا من أحق بالسخرية ، وهذا وعيد لهم.