ويدخل في الإعجاب بالنفس الإعجاب برأيها، وقد نص عليه في حديث آخر.
5 -ومنها: إيثار تدبير نفسه على تدبير الله تعالى، واختيار نفسه على اختيار الله ورسوله عليه السلام حيث يقول له أبوه: {يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا} [سورة هود: 42] ، وهو يقول: {قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ} [سورة هود: 43] ؛ فانظر كيف اختار كنعان من دون الله تعالى أمراً، فكان عاقبته فيه هلاكًا وخسراً.
فقد حكي أنه كان راكباً على فرس قد نظر إلى نفسه وأعجب بها، فلما رأى الماء جاء إلى أبيه وقال: يا أبه! فار التنور، فقال له أبوه: {يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا} [سورة هود: 42] ، فما استتم المراجعة حتى جاءت موجة عظيمة فالتقمته هو وفرسه، وحيل بينه وبين أبيه، فغرق.
وقيل: إنه اتخذ لنفسه بيتا من زجاج يتحصن فيه من الماء، فلما فار التنور دخل فيه وأقفله عليه من داخل، فلم يزل يتغوط فيه ويبول
حتى غرق بذلك. ذكره القرطبي.
6 -ومنها: الالتجاء إلى غير الله تعالى في الشدة.
ألا ترى إلى قوله: {سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ} [سورة هود: 43] ؟ فاعتصم بغير الله ولم ينفعه قول أبيه في الإشارة إليه والتنبيه: {لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} [سورة هود: 43] .
وإنما قيده نوح عليه السَّلام باليوم - مع أنه لا عاصم في كل وقت من أمر الله إلا بعصمة الله ورحمته - تقريبا لفهمه لضيق الوقت عن البيان والتفهيم؛ فإنه استقر في نفس كنعان ما هو في العادة من الاعتصام بالأسباب والاتقاء بالآلات، ومتى يفهم أن الأسباب والأدوات كلها من خلق الله تعالى وإفاضاته وإنعاماته، وهي مسخرات لمن يشاء بتسخيره، وهو على ما هو عليه من كفره؟
وأين حال كنعان من حال أبيه حيث يقول: {ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا} [سورة هود: 41] ؟
وحال يونس عليه السَّلام من قوله في ظلمات ثلاث: قعر البحر، وبطن الحوت، وظلمة الليل: {لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [سورة الأنبياء: 87] ؟
فانظر كيف سخر الله لنوح السفينة وهي سبب، لكنه مأذون فيه.