فإن كنعان خرج عن وداد أبيه بقوله: {سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ} [سورة هود: 43] ؛ فإنه لو كان ودودًا لأبيه لما رضي مفارقته ولو كان في مهلكة؛ فإن المحب يفدي حبيبه بنفسه، ولا يرضى مفارقته ولو هلك معه، وإلا فقد رضي بمفارقته يومًا من الأيام، وذلك مناقض للمحبة، والعاقل يقطع بأن شفقة الوالد على الولد تقتضي النظر له والاجتهاد في نفعه، وإن عقل الوالد أتم من عقل الولد بحيث إن تقليد الولد له أنفع من تحقيقه هو لنفسه، وإذا كان الولد على خلاف ذلك كان أحمق.
وَمِن أعجب الأحاديث التي في هذا المقام ما روى الحكيم الترمذي في"نوادر الأصول"عن رفاعة بن رافع الزُّرقي رضي الله تعالى عنه قال: قال رجل: يا رسول الله! كيف ترى رقيقنا؟ أقوام مسلمون يصلون صلاتنا
ويصومون صومنا نضربهم؟
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"يُوْزَنُ ذَنْبُهُمْ وَعُقُوْبَتُكُمْ إِيَّاهُمْ؛ فَإِنْ كَانَتْ عُقُوْبَتُكُمْ أكثَرَ مِنْ ذُنُوْبِهِمْ أَخَذُوْا مِنْكُمْ".
قالَ: أرأيت سَبَّنا إياهم؟
قال:"يُوْزَنُ ذَنْبُهُمْ وَأَذَاكُمْ إِيَّاهُمْ؛ فَإِنْ كَانَ أَذَاكُمْ أكثَرَ أُعْطُوا مِنْكُمْ".
قال الرجل: ما أسمع عدواً أقرب إلى منهم.
فتلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا} [سورة الفرقان: 20] .
فقال الرجل: أرأيت يا رسول الله وَلَدِي أَضْرِبُهُمْ؟
قال:"إِنَّكَ لا تُتَّهَم فِيْ وَلَدِكَ؛ فَلا تَطِيْبُ نَفْسًا تَشْبَعُ وَيَتَجَوَّعُ، وَلا تَكْتَسِيَ وَيعْرى".
وصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فإن الوالد لا يتهم في ولده إلا أن يكون المتهم له أحمق، أو خارجا عن طباع البشرية، أو يكون الوالد مختل العقل بهوى، أو سوء اعتقاد أو غيرهما، فيكون محلاً للتهمة، وما يوقعه الوالد الكامل بولده من عقوبة أو إهانة فإنما يريد تكميله، أو تأديبه، أو تهذيبه، أو صيانته عما يخشاه عليه من سوء العاقبة.