(أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللهَ) بِأَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللهَ ، بَلِ اعْبُدُوهُ وَحْدَهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا (وَهَذَا عَيْنُ مَا تَقَدَّمَ فِي الْآيَةِ الثَّانِيَةِ) وَكَانُوا أَوَّلَ قَوْمٍ أَشْرَكُوا بِاللهِ وَاتَّخَذُوا لَهُ الْأَنْدَادَ ، وَكَانَ أَوَّلَ رَسُولٍ أَرْسَلَهُ اللهُ - تَعَالَى - إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي قِصَّتِهِ مِنْ سُورَةِ الْأَعْرَافِ (إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ أَلِيمٍ) أَيْ شَدِيدِ الْأَلَمِ ; وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَوْ يَوْمُ عَذَابِ الِاسْتِئْصَالِ بِالطُّوفَانِ ، وُصِفَ بِالْأَلَمِ لِلْمُبَالَغَةِ ، وَإِنَّمَا يَشْعُرُ بِالْأَلَمِ مَنْ يُعَذَّبُ فِيهِ مِنَ الْكَافِرِينَ الظَّالِمِينَ ، وَفِي قِصَّتِهِ مِنْ سُورَةِ الْأَعْرَافِ: (عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) (7: 59) أَيْ أَلَمُهُ وَهَوْلُهُ ، وَهُوَ أَقْرَبُ إِلَى قَوْلِهِ فِي الْآيَةِ الثَّالِثَةِ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ: (عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ) وَالْمُرَادُ وَاحِدٌ .
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَا قَالَهُ نُوحٌ جَامِعًا لِمَعْنَى الْأَلَمِ وَمَعْنَى الْعَظَمَةِ وَالْكِبْرِ ; إِذِ الْقُرْآنُ يُبَيِّنُ الْمَعَانِيَ الْمَحْكِيَّةَ بِالْأَلْفَاظِ الْمُخْتَلِفَةِ فِي السُّوَرِ الْمُتَعَدِّدَةِ كَمَا قُلْنَا مِنْ قَبْلُ ، وَيَأْتِي فِي بَعْضِهَا بِمَا يُغْنِي عَنْ بَعْضٍ ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ نُوحٍ فِي سُورَةِ (الْمُؤْمِنُونَ) بَعْدَ الْأَمْرِ بِعِبَادَةِ التَّوْحِيدِ وَتَقْرِيرِهِ: (أَفَلَا تَتَّقُونَ) (23: 23) وَمِثْلُهُ فِيهَا عَنِ الرَّسُولِ الَّذِي بَعْدَهُ . وَكَانَ كُلُّ رَسُولٍ يَأْمُرُ قَوْمَهُ بِالتَّقْوَى ، كَمَا كَرَّرَ حِكَايَتَهُ عَنْهُمْ فِي الشُّعَرَاءِ ، إِذِ التَّقْوَى مِلَاكُ الْأَمْرِ كُلِّهِ .