والخلاصة: أنَّ معنى إرادة الله إغواءَهم: اقتضاءُ سننه فيهم أن يكونوا من الغاوينَ لا خَلْقه للغواية فيهم ابتداء من غير عمل منهم، ولا كسب لأسبابها، فإن الحَوادثَ مرتبطة بأسبابها، والنتائجَ متوقفة على مقدماتها {هُوَ} سبحانه وتعالى {رَبُّكُمْ} ؛ أي: مالك أمُوركم، ومُدبِّرُها بحسب سُنَنِه المطردة في الدنيا، فإليه الإغواء، وإليه الهدايةُ، ولكل شيء عنده قدر، ولكل قدر أَجَل {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} في الآخرة، فيجازيكم بما كنتم تعملون، إن خيرًا .. فخيرًا، وإن شرًّا .. فشر، ولا تظلمون نقيرًا.
35 -و {أَمْ} في قوله: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ} منقطعة تقدر ببَلْ الإضرابية، وبهمزة الاستفهام الإنكاري؛ أي: بل أيقول مشركو مكة: إنَّ محمدًا - صلى الله عليه وسلم - افتراه؛ أي: اختلق خبر قوم نوح عليه السلام، وجاءَ به من عند نفسه، أو اختلقَ القرآنَ، وافتراه من عندِ نفسه، فأمره الله سبحانه وتعالى أنْ يجيبهم بقوله: {قُلْ} لهم يا محمَّد في الجواب: {إِنِ افْتَرَيْتُهُ} ؛ أي: أنِ افتريت خبرَ قوم نوحٍ، أو افتريتُ هذا القرآنَ على الله من عند نفسي كما تزعمون {فـ} ـما عليكم بأس، ولا ضَرَرَ في ذلك إنما {علي إجرامي} ؛ أي: إنما عليَّ لا على غيري، ولا عليكم عقوبة إجرامي وذنبي {و} أنتم بريئون من إجرامي كما {أنا بريء مما تجرمون} ؛ أي: من عقوبة إجرامكم، وذنبكم، فحكم الله العدل: أن يجزى كل امرئ بعمله، كما قال: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} والإجرامُ والجرم اكتساب الذنب كما سيأتي في مبحث الصرف، وفي الآية حذف، والتقدير إن كنت افتريته فعليَّ عقاب جرمي، وإن كنتُ صَادِقًا وكذبتموني فعليكم عقابُ ذلك التكذيب، إلَّا أنه حذِفَت هذه البقية لدلالة الكَلام عليهَا.