وقيل: إن قوم نوح كانوا يعتقدون أن الله تعالى أراد إغوائهم فأخرج عليه السلام ذلك مخرج التعجب والإنكار أي إن نصحي لا ينفعكم إن كان الأمر كما تزعمون ، وقيل: سمي ترك إلجائهم وتخليتهم وشأنهم إغواء مجازاً ، وقيل: إن نافية أي ما كان الله يريد أن يغويكم ، ونفى ذلك دليل على نفي الإغواء ، ويكون {لاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِى} الخ إخباراً منه عليه السلام لهم وتعزية لنفسه عنهم لما رأى من إصرارهم وتماديهم على الكفر ، ولا يخفى ما في ذلك من مخالفة الظاهر المعروف في الاستعمال وارتكاب ما لا ينبغي ارتكاب مثله في كلام الملك المتعال.
ومن الناس من اعترض الاستدلال بأن الشرطية لا تدل على وقوع الشرط ولا جوازه فلا يتم ولا يحتاج إلى التأويل ولا إلى القال والقيل ، ودفع بأن المقام ينبو عنه لعدم الفائدة في مجرد فرض ذلك فإن أرادوا إرجاعه إلى قياس استثنائي فإما أن يستثني عين المقدم فهو المطلوب أو نقيض التالي فخلاف الواقع لعدم حصول النفع.
وبالجملة الآية ظاهرة جداً فيما ذهب إليه أهل السنة ، والله سبحانه الموفق {هُوَ رَبُّكُمْ} أي خالقكم ومالك أمركم {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} فيجازيكم على أفعالكم لا محالة.
{أَمْ يَقُولُونَ} قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: يعني نوحاً عليه السلام أي بل أيقول قوم نوح أن نوحاً افترى ما جاء به مسنداً إلى الله تعالى عز وجل {اثنين قُلْ} يا نوح {إِنِ افتريته} بالفرض البحت.
{فَعَلَيَّ إِجْرَامِى} أي وباله فهو على تقدير مضاف ، أو على التجوز بالسبب عن المسبب ، وفسر الإجرام بكسب الذنب وهو مصدر أجرم ، وجاء على قلة جرم ، ومن ذلك قوله:
طريد عشيرة ورهين ذنب...
بما (جرمت) يدي وجنى لساني