وبين ما وقع بإزائه من إرادته تعالى لإغوائهم ، وإنما تقصر في ذلك على مجرد إرادة الإغواء دون نفسه حيث لم يقل إن كان الله يغويكم مبالغة في بيان غلبة جنابه جل جلاله حيث دل ذلك على أن نصحه المقارن للاهتمام به لا يجديهم نفعاً عند مجرد إرادة الله تعالى إغواءهم فكيف عند تحققه وخلقه فيهم ، وزيادة {كَانَ} للإشعار بتقدم إرادته تعالى زماناً كتقدمه رتبة ، وللدلالة على تجددها واستمرارها ، وقدم على هذا الكلام ما يتعلق بقولهم: {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا} [هود: 32] من قوله: {إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ الله إِن شَاء} [هود: 33] رداً عليهم من أول الأمر وتسجيلاً عليهم بحلول العذاب مع ما فيه من اتصال الجواب بالسؤال قال ذلك مولانا شيخ الإسلام ثم إن {إِنْ أَرَدْتُّ} أن أبقى على الاستقبال لا ينافي كونه نصحهم في الزمن الماضي ، وقيل: إنه مجاراة لهم لاستظهار الحجة لأنهم زعموا أن ما فعله ليس بنصح إذ لو كان نصحاً قبل منه ، واللام في {لَكُمْ} ليست للتقوية كما قد يتوهم لتعدي الفعل بنفسه كما في قوله:
نصحت بني عوف فلم يتقبلوا...
رسولي ولم تنجح لديهم رسائلي
لما في"الصحاح"أنه باللام أفصح ، وفي الآية دليل على أن إرادة الله تعالى مما يصح تعلقها بالإغواء وأن خلاف مراده سبحانه محال ، وإلا لم تصدق الشرطية الدالة على لزوم الجواب للشرط ، والمعتزلة وقعوا في حيص بيص منها واختلفوا في تأويلها ، فقيل: إن {يُغْوِيَكُمْ} بمعنى يهلككم من غوى الفصيل إذا بشم من كثرة شرب اللبن فهلك ، وقد روى مجيء الغوي بمعنى الهلاك الفراء.
وغيره ، وأنكره مكي.
وقيل: إن الإغواء مجاز عن عقوبته أي إن كان الله يريد عقوبة إغوائكم الخلق وإضلالكم إياهم.