{أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} [هود: 30]
أي: يجب ألاَّ تأخذكم الغفلة ، وتُنسيكم ما يجب أن تتذكروه .
وكما جاء الحق سبحانه بالتذكُّر ، وهو الأمر الذي بدوامه يبعد الإنسان الغفلة ، جاء الحق سبحانه أيضاً بالتفكُّر ، وهو التأمل لاستنباط شيء جديد عن طريق إعمال العقل بالتفكر ، الذي يجعل الإنسان في تأمل يقوده إلى تقديس وتنزيه الخالق ، وبهذا يصل الإنسان إلى الحقائق التي تكشف له معالم الطريق .
وجاء الحق سبحانه أيضاً بالتدبر ، أي: ألا يأخذ الإنسان الأمور بظواهرها ، أو أن ينخدع بتلك الظواهر ، بل لا بد من البحث في حقائق الأشياء .
لذلك يقول الحق جَلَّ وعَلاَ:
{أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القرآن} [النساء: 82] .
أي: أفلا يبحثون عن الكنوز الموجودة في المعطيات الخلفية للقرآن .
والتدبر هو الذي يكشف المعاني الخفية خلف ظواهر الآيات ، والناس يتفاضلون في تعرضهم لأسرار كتاب الله حين ينظرون خلف ظواهر المعاني .
ولذلك نجد عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول:"ثَوِّروا القرآن"أي: قَلِّبوا معاني الآيات لتجدوا ما فيها من كنوز ، ولا تأخذوا الآيات بظواهرها ، فعجائب القرآن لا تنقضي .
ويقول الحق سبحانه وتعالى مواصلاً ما جاء على لسان سيدنا نوح: {وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ الله}
وهكذا يَسُدُّ نوح عليه السلام على هذا الملأ الكافر كل أسباب إعراضهم عن الإيمان ، فإن ظنوا أن الإيمان يتطلب ثراءً ، فنوح لا يملك خزائن لله ، وهو لا يملك أكثر من هذا الملأ ، وإن طلبوا أن يكشف لهم الغيب ، فالغيب علمه عند الله تعالى وحده .
ولم يَدَّعِ نوح أنه من جنس آخر غير البشر ، إنما هو بشر مثلهم ، لا يملك ما يجبرهم به على الطاعة ، ثراءً ، أو جاهاً ، أو علم غيب .