وليس المقصود معذرتهم بما صنعوا ولا العدول عن تكرير دعوتهم.
{وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ}
إعادة الخطاب بـ {يا قوم} تأكيد لما في الخطاب به أول مرة من المعاني الّتي ذكرناها ، وأما عطف النداء بالواو مع أن المخاطب به واحد وشأن عطف النداء أن يكون عند اختلاف المنادى ، كقول المعري:
يا ساهر البرق أيقظن راقد السمر
لعل بالجزع أعواناً على السهر...
ثم قال:
ويا أسيرة حجليها أرى سفها
حَمْلَ الحُلي بمن أعيَا عن النظر...
فأما إذا اتّحد المنادى فالشأن عدم العطف كما في قصة إبراهيم عليه السلام في سورة [مريم: 42 45] {إذ قال لأبيه يا أبت لِمَ تعبد ما لا يسمع ولا يبصر إلى قوله وَلِيّاً} فقد تكرّر النداء أربع مرات.
فتعين هنا أن يكون العطف من مقول نوح عليه السّلام لا من حكاية الله عنه.
ثمّ يجوز أن يكون تنبيهاً على اتّصال النداءات بعضها ببعض ، وأن أحدها لا يغني عن الآخر ، ولا يكون ذلك من قبيل الوصل لأن النداء افتتاح كلام فجملته ابتدائية وعطفها إذا عطفت مجرد عطف لفظي.
ويجوز أن يكون ذلك تفنناً عربياً في الكلام عند تكرر النداء استحساناً للمخالفة بين التأكيد والمؤكد.
وسيجيء نظير هذا قريباً في قصة هود عليه السلام وقصة شعيب عليه السّلام.