وقيل: هذا من المقلوب ، فعميتم أنتم عنها كما تقول العرب: أدخلت القلنسوة في رأسي ، ومنه قول الشاعر:
ترى الثور فيها مدخل الظل رأسه ...
قال أبو علي: وهذا مما يقلب ، هذ ليس فيه إشكال ، وفي القرآن: {فلا تحسبنّ الله مخلف وعده رسله} انتهى.
والقلب عند أصحابنا مطلقاً لا يجوز إلا في الضرورة ، وأما قول الشاعر: فليس من باب القلب بل من باب الاتساع في الظرف.
وأما الآية فأخلف يتعدّى إلى مفعولين ، ولكان يضيف إلى أيهما شئت فليس من باب القلب ، ولو كان فعميت عليكم من باب القلب لكان التعدي بعن دون على.
ألا ترى أنك تقول: عميت عن كذا ، ولا تقول عميت على كذا؟ وقرأ الإخوان وحفص: فعميت بضم العين وتشديد الميم مبنياً للمفعول ، أي أبهمت عليكم وأخفيت ، وباقي السبعة فعميت بفتح العين وتخفيف الميم مبنياً للفاعل.
وقرأ أبيّ ، وعليّ ، والسلميّ ، والحسن ، والأعمش: فعماها عليكم.
وروى الأعمش عن أبي وثاب: وعميت بالواو خفيفة.
قال الزمخشري: (فإن قلت) : فما حقيقته؟ (قلت) : حقيقته أنّ الحجة كما جعلت بصيرة ومبصرة جعلت عمياء ، لأنّ الأعمى لا يهتدي ، ولا يهدي غيره ، فمعنى فعميت عليكم البينة فلم تهدكم ، كما لو عمي على القوم دليلهم في المفازة بقوا بغير هاد.
(فإن قلت) : فما معنى قراءة أبيّ؟ (قلت) : المعنى أنهم صمموا على الإعراض عنها فخلاهم الله وتصميمهم ، فجعلت تلك التخلية تعمية منه ، والدليل عليه: أنلزمكموها وأنتم لها كارهون؟ يعني: أنكرهكم على قبولها ونقسركم على الاهتداء بها وأنتم تكرهونها ولا تختارونها ، ولا إكراه في الدين انتهى.
وتوجيهه قراءة أبيّ هو على طريقة المعتزلة ، وتقدّم في سورة الأنعام الكلام على {أرأيتم} مشبعاً ، وذكرنا أن العرب تعديها إلى مفعولين: أحدهما منصوب ، والثاني أغلب ما يكون جملة استفهامية.
تقول: أرأيتك زيداً ما صنع ، وليس استفهاماً حقيقياً عن الجملة.