وهم قد قالوا لنوح عليه السلام: أنت بشر مثلنا ، وقد اتبعك أراذلنا ؛ لأنهم نظروا إلى دعوتك نظرة ظاهرية ، ولو تعقَّبوا دعوتك وتأمَّلوها ونظروا في عواقبها بتدبُّر لما آمنوا بها .
ويكشف الحق سبحانه هذا الغباء فيهم ، فقول الملأ بأن الضعفاء كان يجب عليهم أن يتدبروا الأمر ويتمعنوا في دعوة نوح قبل الإيمان به ، ينقضه إصرار الضعفاء على الإيمان ؛ لأنه يؤكد أن جوهر الحكم عندهم جوهر سليم ؛ لأن الواحد من هؤلاء الضعفاء لا يقيس الأمر بمقياس من يملك المال ، ولا بمقياس من يملك الجاه ، ولا بمقياس من له سيادة ، بل قاس الضعيف من هؤلاء الأمر بالقلب ، الذي تعقَّل وتبصَّر ، وباللسان الذي أعلن الإيمان ؛ لأن الإنسان بأصغريه: قلبه ولسانه .
إذن: فهذا الملأ الكافر من قوم نوح عليه السلام ، قد حكم بأن الضعاف أراذل بالمقاييس الهابطة ، لا بالمقاييس الصحيحة .
ولو امتنع هؤلاء الذي يُقال عنهم"أراذل"عن خدمة من يقال لهم"سادة"لذاق السادة الأمرَّين ، فهم الذين يقدِّمون الخدمة ، ولو لم يصنع النجار أثاث البيت لما كانت هناك بيوت مؤثثة .
ولو امتنع العمال عن الحفر والبناء لما كانت هناك قصور مشيدة .
ولو امتنع الطاهي عن طهي الطعام لما كانت هناك موائد ممتدة ، وكل خدمات هؤلا ء الضعاف تصب عند الغني أو صاحب المال أو صاحب الجاه .
وهكذا نرى أن الكون يحتاج إلى من يملك الثورة ولو عن طريق الميراث ليصرف على من يحتاجه المجتمع أيضاً ، وهم الضعاف الذين يعطون الخير من كدِّهم وإنتاجهم .
إذن: فالضعفاء هم تتمة السيادة .
وحين نمعن النظر لوجدنا أن سيادة الثَّريِّ أو صاحب الجاه إنما تأتي نتيجة لمجهودات من يقال عنهم: إنهم أراذل .
ولو أنهم تخلَّوا عن الثرى أو صاحب الجاه ، لما استطاع أن يكون سيداً . ويذكر لنا الحق سبحانه بقية ما قاله الملأ الكافر من قوم نوح: