من أجل ذلك أخطأوا الاستدلال فقالوا: {ما نراك إلاّ بشراً مثلنا} فأسندوا الاستدلال إلى الرؤية.
والرؤية هنا رؤية العين لأنّهم جعلوا استدلالهم ضرورياً من المحسوس من أحوال الأجسام ، أي ما نراك غير إنسان ، وهو مماثل للنّاس لا يزيد عليهم جوارح أو قوائم زائدة.
والبشَر محركة: الإنسان ذكراً أو أنثى ، واحداً كان أو جمعاً.
قال الراغب:"عبر عن الإنسان بالبشر اعتباراً بظهور بشرته وهي جلده من الشعر بخلاف الحيوانات التي عليها الصوف والشعر والوبر"أي والريش.
والبشر مرادف الإنسان فيطلق كما يطلق الإنسان على الواحد والأكثر ، والمؤنث والمذكر.
وقد يثنى كما في قوله تعالى: {أنؤمن لبشرين مثلنا} [المؤمنون: 47] .
وقالوا: {وما نراك اتّبعك إلاّ الذين هم أراذلنا} فجعلوا أتباع الناس المعدودين في عادتهم أراذل محقورين دليلاً على أنه لا ميزة له على سادتهم الذين يلوذ بهم أشراف القوم وأقوياؤهم.
فنفوا عنه سبب السيادة من جهتي ذاته وأتباعه ، وذلك تعريض بأنهم لا يتبعونه لأنهم يترفعون عن مخالطة أمثالهم وأنه لو أبعدهم عنه لاتبَعوه ، ولذلك ورد بعده {وما أنا بطارد الذين آمنوا} [هود: 29] الآية.
والأرذال: جمع أرذل المجعول اسماً غير صفة كذلك على القياس ، أو جمع رذيل على خلاف القياس.
والرذيل: المحتقر.
وأرادوا أنهم من لفيف القوم غير سادة ولا أثرياء.
وإضافة (أراذل) إلى ضمير جماعة المتكلمين لتعيين القبيلة ، أي أراذل قومنا.
وعبّر عنهم بالموصول والصّلة دون أن يقال: إلا أراذلنا لحكاية أن في كلام الذين كفروا إيماء إلى شهرة أتباع نوح عليه السلام بين قومهم بوصف الرذالة والحقارة ، وكان أتباع نوح عليه السلام من ضعفاء القوم ولكنهم من أزكياء النفوس ممّن سبق لهم الهدى.