ونعلم كيف يكون الضرار بين المتنافسين على شيء ، كما يحدث الآن تماماً ، وتسمع من يقول: ولماذا أقام الحي الفلاني مسجداً ، ولم نقُم نحن مسجداً؟
وعلى ذلك فكل مسجد فيه هذه الصفة ؛ صفة التنافس للحصول على سمعة أو تحيز لجهة على جهة ، أو رياء ، فهذا يعتبر مسجداً ضراراً ؛ لأن كل هذه المسائل فرقت جماعة المسلمين .
وقد يقول قائل: ولكن هذا الأمر ظاهرة صحية ، ونقول: لا ، إن لنا أن نعرف أنها ظاهرة مرضية في الإيمان ؛ لأنك ترى المسجد وليس فيه صفان مكتملان ، ثم يوجد بعده بعدة أمتار مسجد ، وهناك مسجد ثالث بعد عدة أمتار ، ثم مسجد رابع ، فهذه كلها مساجد ضرار .
إذن: ف"المسجد"بمعناه الخاص هو المكان الذي يحيز حتى يصير مسجداً ، لا يزاول فيه شيء غير المسجدية ، ولذلك نجد النبي صلى الله عليه وسلم حين رأى واحداً ينشد ضالته في المسجد ، قال له:"لا رد عليك ضالتك"لأن المسجد حين تدخله فأنت تعلن نية الاعتكاف لتكون في حضرة ربك ، وعندك من الوقت خارج المسجد ما يكفيك لتتكلم في مسائل الدنيا .
إذن: فهؤلاء القوم أرادوا أن يُنفِّسوا عن نفاقهم بمظهر من مظاهر الطاعة ، فقالوا: نقيم مسجداً ، وبذلك نفرق جماعة الملسمين ، فجماعة يصلون هنا ، وجماعة يصلون هناك ، وإن قعدنا نحن نصلي فيه فنكون أحراراً ، ونتكلم مثلما نريد ، أما حين نذهب للصلاة في المسجد الآخر ، فنحن نجلس هناك مكبوتين ، وغير قادرين على الكلام ، ونحن نريد أن ننفس عن أنفسنا .