ولقد قال ابن كثير في تفسيره: ولما كانت الغلظة في أهل البوادي لم يبعث الله منهم رسولا، وإنما كانت البعثة من أهل القرى، كما قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَى. . .) ، والقرى: المدن العظيمة، وخير القرى ما يكون قريبا من البادية أو في وسطها كمكة والمدينة. . . فهي تجمع بين قوة نفس البدوي وأنس الحضري، وكذلك كان يبعث النبيون فموسى بعث بمدين، وعيسى بعث على مقربة من البادية، ومحمد بعث بمكة عليهم الصلاة والسلام، وقد وصف الله تعالى الأعراب بثلاثة أوصاف: أولها: أنهم أشد كفرا، وثانيها: أنهم أشد نفاقا، وأفعل التفضيل ليس على بابه؛ لأنه لم يذكر الفضل عليه، وحيث لم يذكر الفضل عليه يكون المعنى أنه كفر بلغ أقصاه
وأشد أحواله فهو كفر يلتقى فيه الجحود، وعدم التفاهم، والجهل الشديد، والغلظة الجافية.
ونفاقهم ليس كنفاق أهل المدينة، ولكن نفاقهم يكون بعدم الإيمان المطلق مع التسليم الظاهر، وعدم الإلف، وهم كما قال الله تعالى؛ (قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ. . .) .
والوصف الثالث هو قوله تعالى: (وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ) إنهم بإقامتهم في البادية كانوا جديرين وخلقاء ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله بألا يعرفوا أحكام الشريعة والفرائض، وتوابعها وأحكام الجرائم، وعقوباتها، والمحرمات من النساء والأنكحة والمواريث، وغير ذلك من أحكام الشريعة التفصيلية.
(وَأَجْدَرُ) أفعل تفضيل على غير بابه، إذ إن المفضل عليه غير موجود، والمعنى أنهم لبعدهم عن المدائن والقرى حيث العلم والفقه - صاروا في أغلب الأحوال جديرين بالبعد عن العلم بحدود الله تعالى.