الصدقات خاصة دون غيرهم على أنهم ليسوا منهم ، حسما لأطماعهم وإشعاراً باستيجابهم الحرمان ، وأنهم بعداء عنها وعن مصارفها ، فما لهم وما لها؟ وما سلطهم على التكلم فيها ولمز قاسمها صلوات اللّه عليه وسلامه؟.
[سورة التوبة (9) : آية 61]
وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (61)
الأذن: الرجل الذي يصدق كل ما يسمع «1» ويقبل قول كل أحد ، سمى بالجارحة التي هي آلة السماع ، كأنّ جملته أذنٌ سامعة ، ونظيره قولهم للربيئة «2» . عين. وإيذاؤهم له: هو قولهم فيه هُوَ أُذُنٌ. وأذن خير ، كقولك: رجل صدق ، تريد الجودة والصلاح. كأنه قيل: نعم هو أذن ولكن نعم الأذن. ويجوز أن يريد: هو أذن في الخير والحق وفيما يجب سماعه وقبوله ، وليس بأذن في غير ذلك ودلّ عليه قراءة حمزة وَرَحْمَةٌ بالجرّ عطفاً عليه أي: هو أذن خير ورحمة لا يسمع غيرهما ولا يقبله. ثم فسر كونه أذن خير بأنه يصدق باللّه ، لما قام عنده من الأدلة ويقبل من المؤمنين الخلص من المهاجرين والأنصار ، وهو رحمة لمن آمن منكم ، أي أظهر الإيمان أيها المنافقون حيث يسمع منكم ويقبل إيمانكم الظاهر ، ولا يكشف أسراركم ولا يفضحكم ، ولا يفعل بكم ما يفعل بالمشركين ، مراعاة لما رأى اللّه من المصلحة في الإبقاء عليكم ، فهو أذن كما قلتم ، إلا أنه أذن خير لكم لا أذن سوء فسلم لهم قولهم فيه ، لا أنه فسر بما هو مدح له وثناء عليه ، وإن كانوا قصدوا به المذمّة والتقصير بفطنته وشهامته ، وأنه من أهل سلامة القلوب والغرّة.
وقيل: إنّ جماعة منهم ذمّوه صلوات اللّه عليه وسلامه وبلغه ذلك ، فاشتغلت قلوبهم فقال بعضهم:
لا عليكم ، فإنما هو أذن سامعة قد سمع كلام المبلغ فأذن ، ونحن نأتيه ونعتذر إليه فيسمع عذرنا أيضاً فيرضى ، فقيل: هو أذن خير لكم. وقرئ: أذن خير لكم ، على أن أذن خبر مبتدإ محذوف ، وخير كذلك ، أي هو أذن هو خير لكم يعني إن كان كما تقولون فهو خير لكم ، لأنه يقبل
(1) . قال محمود: «الأذن: الرجل الذي يصدق كل ما يسمع ... سمى الرجل بالجارحة التي هي آلة السماع ...
الخ» قال أحمد: لا شيء أبلغ من الرد عليهم بهذا الوجه لأنه في الأول إطماع لهم بالموافقة ، ثم كر على طمعهم بالحسم واعقبهم في تنقصه باليأس منه ، ويضاهي هذا من مستعملات الفقهاء: القول بالموجب ، لأن في أوله إطماعا للحصم بالتسليم ، ثم بتا الطمع على قرب ، ولا شيء أقطع من الاطماع ثم اليأس يتلوه ويعقبه ، واللّه الموفق.
(2) . قوله «الربيئة» في الصحاح: الربيئة الطليعة. (ع)