وَابْتُدِئَ الْخَبَرُ عَنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ أَنَّهُ أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ مَا ذَكَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، فَرُفِعَ، وَإِنْ كَانَ الرِّضْوَانُ فِيمَا قَدْ وَعَدَهُمْ، وَلَمْ يُعْطَفْ بِهِ فِي الْإِعْرَابِ عَلَى الْجَنَّاتِ وَالْمَسَاكِنِ الطَّيِّبَةِ، لِيُعْلَمَ بِذَلِكَ تَفْضِيلُ اللَّهِ رِضْوَانَهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى سَائِرِ مَا قَسَمَ لَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْطَاهُمْ مِنْ كَرَامَتِهِ، نَظِيرُ قَوْلِ الْقَائِلِ فِي الْكَلَامِ الْآخَرِ أَعْطَيْتُكَ وَوَصَلْتُكَ بِكَذَا، وَأَكْرَمْتُكَ، وَرِضَايَ بَعْدُ عَنْكَ أَفْضَلُ ذَلِكَ.
{ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} هَذِهِ الْأَشْيَاءُ الَّتِي وَعُدْتُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، يَقُولُ: هُوَ الظَّفَرُ الْعَظِيمُ وَالنَّجَاءُ الْجَسِيمُ؛ لِأَنَّهُمْ ظَفَرُوا بِكَرَامَةِ الْأَبَدِ، وَنَجَوْا مِنَ الْهَوَانِ فِي السَّفَرِ، فَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ الَّذِي لَا شَيْءَ أَعْظَمُ مِنْهُ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (73) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ بِالسَّيْفِ وَالسِّلَاحِ وَالْمُنَافِقِينَ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي صِفَةِ الْجِهَادِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ بِهِ فِي الْمُنَافِقِينَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَمَرَهُ بِجِهَادِهِمْ بِالْيَدِ وَاللِّسَانِ، وَبِكُلِّ مَا أَطَاقَ جِهَادَهُمْ بِهِ.
عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:" {جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ} قَالَ: بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَلْيَكْفَهِرَّ فِي وَجْهِهِ"
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ أَمَرَهُ بِجَهَادِهِمْ بِاللِّسَانِ
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ تَعَالَى:" {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} فَأَمَرَهُ اللَّهُ بِجِهَادِ الْكُفَّارِ بِالسَّيْفِ وَالْمُنَافِقِينَ بِاللِّسَانِ، وَأَذْهَبَ الرِّفْقَ عَنْهُمْ"
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ أَمَرَهُ بِإِقَامَةِ الْحُدُودِ عَلَيْهِمْ