وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ سَيَفْعَلُ ذَلِكَ أَقْوَامٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، فَقَالَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ: {فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا} وَإِنَّمَا حَسِبُوا أَنْ لَا يَقَعَ بِهِمْ مِنَ الْفِتْنَةِ مَا وَقَعَ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ قَبْلَهُمْ، وَإِنَّ الْفِتْنَةَ عَائِدَةٌ كَمَا بَدَتْ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} فَإِنَّ مَعْنَاهُ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ، وَفَعَلُوا فِي ذَلِكَ فِعْلَ الْهَالِكِينَ مِنَ الْأُمَمِ قَبْلَهُمْ.
{حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ}
يَقُولُ: ذَهَبَتْ أَعْمَالُهُمْ بَاطِلًا، فَلَا ثَوَابَ لَهَا إِلَّا النَّارُ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ فِيمَا يُسْخِطُ اللَّهَ وَيَكْرَهُهُ.
{وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ}
يَقُولُ: وَأُولَئِكَ هُمُ الْمَغْبُونُونَ صِفْقَتُهُمْ بِبَيْعِهِمْ نَعِيمَ الْآخِرَةِ بِخَلَاقِهِمْ مِنَ الدُّنْيَا الْيَسِيرِ الزَّهِيدِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (70) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَلَمْ يَأْتِ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ يُسِرُّونَ الْكُفْرَ بِاللَّهِ، وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْإِيمَانِ بِهِ وَبِرَسُولِهِ {نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهُمْ}
يَقُولُ: خَبَرُ الْأُمَمِ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهُمْ حِينَ عَصَوْا رُسُلَنَا، وَخَالَفُوا أَمْرَنَا مَاذَا حَلَّ بِهِمْ مِنْ عُقُوبَتِنَا؟ ثُمَّ بَيَّنَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مَنْ أُولَئِكَ الْأُمَمُ الَّتِي قَالَ لِهَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَؤُهُمْ، فَقَالَ: {قَوْمِ نُوحٍ} وَلِذَلِكَ خَفَضَ الْقَوْمَ لِأَنَّهُ تَرْجَمَ بِهِنَّ عَنِ الَّذِينَ، وَالَّذِينَ فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ.
وَمَعْنَى الْكَلَامِ: أَلَمْ يَأْتِ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ خَبَرُ قَوْمِ نُوحٍ وَصَنِيعِي بِهِمْ؛ إِذْ كَذَّبُوا رَسُولِي نُوحًا وَخَالَفُوا أَمْرِي، أَلَمْ أُغْرِقْهُمْ بِالطُّوفَانِ؟
{وَعَادٍ}