وعلى أية حال فالله لا يُثنَّى معه أحد ؛ ولذلك نجد في القرآن الكريم: {يَحْلِفُونَ بالله لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ} [التوبة: 62]
وهنا نرى أيضاً أن الحق سبحانه قد استخدم صيغة المفرد في الرضا ؛ لأن رضا الله سبحانه وتعالى ورضا رسوله صلى الله عليه وسلم يتحدان ، ولأنه إذا جاء اسم الله فلا يُثنَّى معه أحد .
وبعد أن فضح الحق سبحانه وتعالى المنافقين وبيّن ما في قلوبهم ؛ لم تتخلَّ رحمته عنهم ؛ لأنه سبحانه وتعالى رحيم بعباده ، ولذلك فتح لهم باب التوبة فقال: {فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْراً لَّهُمْ} ، وفَتْحُ باب التوبة رحمة لحركة الحياة كلها ؛ فلو أغلق الله باب التوبة لأصبح كل من ارتكب ذنباً مصيره للنار . وإذا علم الإنسان أن مصيره للعذاب مهما فعل ، فلا بد أن يستشري في الذنب ، ويزداد في الإثم ، ما دام لا فرق بين ذنب واحد وذنوب متعددة . ولكن حين يعلم أن أي إنسان يخطئ أن باب التوبة مفتوح ؛ فهو لا يستشري في الإثم ، ثم إن الذي يعاني من الشرور والآثام حقيقة هو المجتمع ككل ، فإذا وُجد لص خطير مثلاً ؛ فالذي يعاني من سرقاته هو المجتمع . وإذا وُجد قاتل محترف فالذي يعاني من جرائمه هم الذين سيقتلهم من أفراد المجتمع .
إذن: ففتح باب التوبة رحمة للمجتمع ؛ لأنها لا تدفع المجرم إلى الاستشراء في إجرامه . وإذا نظرت إلى الآية الكريمة ، فالله سبحانه وتعالى بعد أن أظهر الحق ، وبيّن للرسول صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين أشياء كان المنافقون يخفونها ؛ فتح للمنافقين باب التوبة ، وحينئذ قال الجلاس بن سويد زعيم المنافقين: يا رسول الله . لقد عرض الله عليّ التوبة . والله قد قلت ما قاله عامر ، وإن عامراً لَصَادقٌ فيما قاله عني . وتاب الجلاس وحسُن إسلامه .
أما الذين تُعرَض عليهم التوبة ولا يتوبون إلى الله ، فقد قال سبحانه: