أي: وخضتم في الكفر والاستهزاء بآيات الله ورسوله كالخوض الذي خاضوه في ذلك ، فأنتم وهم سواء ، فيوشك أن يَحيق بكم ما حاق بهم ، وكلامنا في هذين التشبيهين أدقّ ما كتب فيهما.
و {الذي} اسم موصول ، مفرد ، وإذ كان عائد الصلة هنا ضمير جمع تعيّن أن يكون المراد بـ {الذي} : تأويله بالفريق أو الجَمْع ، ويجوز أن يكون {الذي} هنا أصله الذين فخُفّف بحذف النون على لغة هذيل وتميم كقول الأشهب بن زميلة النهشلي:
وإن الذي حانت بفلج دماؤهم...
هُم القومُ كلُّ القوممِ يا أمَّ خالد
ونحاة البصرة يرون هذا الاستعمال خاصّاً بحالة أن تطول الصلة كالبيت فلا ينطبق عندهم على الآية ، ونحاة الكوفة يجوزّونه ولو لم تطل الصلة ، كما في الآية ، وقد ادّعى الفرّاء: أنّ {الذي} يكون موصولاً حرفياً مؤوّلاً بالمصدر ، واستشهد له بهذه الآية ، وهو ضعيف.
ولمّا وصفت حالة المشبه بهم من الأمم البائدة أعقب ذلك بالإشارة إليهم للتنبيه على أنّهم بسبب ذلك كانوا جديرين بما سيخبر به عنهم ، فقال تعالى: {أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون} وفيه تعريض بأنّ الذين شابهوهم في أحوالهم أحرياء بأن يحلّ بهم ما حلّ بأولئك ، وفي هذا التعريض من التهديد والنذارة معنى عظيم.
والخوض: تقدّمت الحوالة على معرفته آنفاً.
والحبط: الزوال والبطلان ، وتقدّم في قوله تعالى: {فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة} في سورة البقرة (217) .
والمراد بأعمالهم: ما كانوا يعملونه ويكدحون فيه: من معالجة الأموال والعيال والانكباب عليهما ، ومعنى حبْطها في الدنيا استئصالها وإتلافها بحلول مختلف العذاب بأولئك الأمم ، وفي الآخرة بعدم تعويضها لهم ، كقوله تعالى: {ونرثه ما يقول} [مريم: 80] أي في الدنيا {ويأتينا فرداً} [مريم: 80] أي في الآخرة لا مال له ولا ولد ، كقوله: {ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه} [الحاقة: 28 ، 29] .