وتفرَّع {فاستمتعتم بخلاقكم} على ما أفاده حرف الكاف بقوله: {كالذين من قبلكم} من معنى التشبيه ، ولذلك لم تعطف جملة {فاستمتعتم} بواو العطف ، فإنّ هذه الجملة هي المقصد من التشبيه وما تفرّع عليه ، وقد كان ذكر هذه الجملة يغني عن ذكر جملة: {فاستمتعوا بخلاقهم} لولا قصد الموعظة بالفريقين: المشبّهِ بهم ، والمشبّهين ، في إعراض كليهما عن أخذ العدّة للحياة الدائمة وفي انصبابهما على التمتّع العاجل فلم يكتف في الكلام بالاقتصار على حال أحد الفريقين ، قصداً للاعتناء بكليهما فذلك الذي اقتضى هذا الاطناب ولو اقتصر على قوله: {فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم} ولم يذكر قبله {فاستمتعوا بخلاقهم} لحصل أصل المعنى ولم يستفد قصد الاهتمام بكلا الفريقين.
ولذلك لمّا تقرّر هذا المقصد في أنفس السامعين لم يحتج إلى نسج مثل هذا النظم في قوله: {وخضتم كالذي خاضوا} .
وقوله: {كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم} تأكيد للتشبيه الواقع في قوله: {كالذين من قبلكم} إلى قوله فاستمتعتم بخلاقكم للتنبيه على أنّ ذلك الجزء بخصوصه ، من بين الحالة المشبهةِ والحالةِ المشبه بها ، هو محلّ الموعظة والتذكير ، فلا يغرّهم ما هم فيه من نعمة الإمهال والاستدراج ، فقدّم قوله: {فاستمتعوا بخلاقهم} وأتى بقوله: {كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم} مؤكِّداً له دون أن يقتصر على هذا التشبيه الأخير ، ليتأتى التأكيد ، ولأنّ تقديم ما يتمّم تصوير الحالة المشبّه بها المركّبة ، قبل إيقاع التشبيه ، أشدّ تمكيناً لمعنى المشابهة عند السامع.
وقوله: {كالذي خاضوا} تشبيه لخوض المنافقين بخوض أولئك وهو الخوض الذي حكي عنهم في قوله: {ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب} [التوبة: 65] ولبساطة هذا التشبيه لم يؤت فيه بمثل الأسلوب الذي أتي به في التشبيه السابق له.